اتجاهات

روسيا وأوروبا.. ولعبة الغاز

ناصر التميمي

ناصر التميمي

كاتب وباحث - متخصص في العلاقات الدولية والشؤون الخليجية-الصينية

+A -A
تاريخ النشر: 01 مايو 2022 19:49 GMT

لا تزال روسيا أكبر مصدر للغاز الطبيعي في العالم، ولا تزال حتى الآن تمارس نفوذًا كبيرًا على أوروبا، التي استوردت أكثر من 40% من غازها من روسيا، العام الماضي.

لا تزال روسيا أكبر مصدر للغاز الطبيعي في العالم، ولا تزال حتى الآن تمارس نفوذًا كبيرًا على أوروبا، التي استوردت أكثر من 40% من غازها من روسيا، العام الماضي.

وردًا على العقوبات الغربية القاسية، يمكن لروسيا أن توقف تدفق الغاز إلى جميع الاقتصادات الأوروبية، وقد بدأ هذا السيناريو في الظهور، في 27 أبريل/نيسان الماضي، عندما أوقفت روسيا شحنات الغاز إلى بلغاريا وبولندا، لأنهما رفضتا الدفع بالعملة الروسية ”الروبل“.

لكن الاختبار الحقيقي في ألمانيا، المحرك الاقتصادي لأوروبا، والتي تعتمد بشكل كبير على الغاز الروسي.

ويبدو أن برلين غير مستعدة حاليًا بشكل خاص لهذه اللحظة، وليس هناك شهية سياسية لفرض حظر كامل على الغاز ضد روسيا خوفًا من التداعيات الاقتصادية الكارثية على الاقتصاد الألماني في المدى القصير.

ومع ذك، تضيف المواجهة فيما يتعلق بمدفوعات الروبل، خلال الأشهر المقبلة، المزيد من الضبابية إلى حالة عدم اليقين بالنسبة للأسواق، على الرغم من إمكانية التوصل لحل وسط في حالة استمرار المدفوعات من خلال ”بنك غازبروم“ باليورو والدولار الأمريكي ومن ثم إعادة تبديلها بالروبل في البنك نفسه.

وتعتمد الخطوة التالية على تحركات الكرملين، والذي أظهر في وقفه لتدفقات الغاز إلى كل من بلغاريا وبولندا أن تهديداته حقيقية وليست جوفاء، لكن قطع الغاز الطبيعي عن الاقتصادات الكبرى في أوروبا سيلحق ضررًا اقتصاديًا كبيرًا بروسيا نفسها، لأنها تعتمد بشكل كبير على عائدات الطاقة.

لكن يبدو أن موسكو تدرك أن الدول الأوروبية تسعى إلى التخلص من واردات الغاز الروسية تمامًا بحلول، العام 2027.
بالتالي، ستتضاءل قدرة روسيا على استخدام الطاقة كسلاح اقتصادي ضد دول الاتحاد الأوروبي، مع دخول إمدادات جديدة وكبيرة (بعد عامين أو ثلاثة) إلى السوق من دول عديدة خاصة الولايات المتحدة وقطر.

لذا، فإن الكرملين ربما أصبح مقتنعًا أن هذا هو الوقت المناسب لتطبيق إستراتيجيته أو تنفيذ تهديداته التي قد تسعى إلى إجبار دول أوروبية مثل: ألمانيا، وإيطاليا، وفرنسا، على اتخاذ بعض الخيارات المؤلمة، وتحويل بعض الأسلحة الاقتصادية التي تم استخدامها ضد روسيا للعمل لصالح موسكو، عبر إجبار تلك الدول على التعامل مع البنك المركزي الروسي بالروبل.

وبناءً على ذلك، إذا وافقت برلين، وباريس، وروما، على مواصلة مدفوعات الغاز الطبيعي بالروبل الروسي، هذا يعني بالمحصلة خضوعها لمطالب الكرملين، الأمر الذي قد يفسح المجال لتصدعات سياسية داخل الاتحاد الأوروبي وبشكل قد يعزز إستراتيجية الكرملين لانتزاع المزيد من التنازلات في الفترة المقبلة، خاصة إذا نجح بتحقيق المزيد من المكاسب العسكرية في أرض المعركة.

وفي حال رفضت تلك الدول المطالب الروسية، فإن ذلك ربما يؤدي إلى تنفيذ موسكو تهديداتها وقطع الغاز عن تلك البلدان بما يترتب على ذلك من تكاليف اقتصادية واجتماعية هائلة يمكن أن تتسبب بتراجع دعم الرأي العام الأوروبي لأوكرانيا.

لكن يمكن القول إنه في ظل كافة السيناريوهات تقريبًا، قد تمثل الأشهر الثمانية عشر المقبلة أوقاتًا عصيبة لأوروبا، حيث لا توجد بدائل كافية على المدى القريب لتجنب معاناة اقتصادية كبيرة في الشتاء المقبل إذا أوقفت روسيا الإمدادات.

من الواضح أنها أشبه بلعبة عض الأصابع مؤلمة للغاية قد تنتهي بإلحاق الضرر بجميع دول العالم بما في ذلك دول الاتحاد الأوروبي وروسيا.

أو لعل الوضع بات كما وصفه أخيرًا خبير الطاقة الأمريكي المعروف دانيال يرغين، ”إنها إعادة ترتيب دراماتيكية وغير متوقعة لطاقة العالم. وقبل شهرين لم يكن من الممكن أن يتخيل الأوروبيون إغلاق الباب أمام الطاقة الروسية، والآن أصبح السؤال فقط في هذه المرحلة عن المدة التي سيستغرقها ذلك“.

وصحيح أن الدول الأوروبية تتحرك أيضًا بقوة لتنويع إمداداتها، لكن منتجي الطاقة لا يمكنهم مواكبة الوضع على الأقل على المدى القصير.. عادة ما يستغرق مشروع التحول السريع الذي يوفر إمدادات جديدة من الغاز الطبيعي ما لا يقل عن سنتين إلى 4 سنوات.

كما أن تكثيف أوروبا لجهودها لجلب المزيد من الطاقة المتجددة، ربما يستغرق وقتًا طويلًا، ناهيك عن تعقيدات سلاسل التوريد والنزاعات البيئية.

وعلى جميع الأحوال، أزمة الطاقة لن تكون مجرد مشكلة قصيرة المدى، فحتى لو تمكنت دول الاتحاد الأوروبي مع مرور الوقت من إيجاد بدائل للغاز، من المرجح أن تكون أسعارها أعلى بكثير من الواردات الروسية، أو كما خلص العديد من الخبراء الاقتصاديين الأوروبيين إلى نتيجة مفادها، لقد انتهى عصر الغاز الروسي الرخيص الذي يغذي الاقتصادات الأوروبية الكبيرة مثل ألمانيا، وإيطاليا.

هذا المقال يعبر عن رأي الكاتب ولا يعكس بالضرورة وجهة نظر شبكة إرم نيوز

حمل تطبيق إرم نيوز على هاتفك