اتجاهات

رجاء لا يخيب

بلال فضل

بلال فضل

كاتب وسيناريست

+A -A
تاريخ النشر: 27 أبريل 2022 20:30 GMT

عندما أنزلتُ جثمانه من على كتفي داخل سيارة دفن الموتى الواقفة إلى جوار مسجد عمر مكرم، أخذت أغمغم ذاهلًا: "شكرًا يا عم رجاء"، ليقتحمني صوت يغالب صاحبه البكاء

عندما أنزلتُ جثمانه من على كتفي داخل سيارة دفن الموتى الواقفة إلى جوار مسجد عمر مكرم، أخذت أغمغم ذاهلًا: ”شكرًا يا عم رجاء“، ليقتحمني صوت يغالب صاحبه البكاء سائلًا: ”هو مش ده الأستاذ مجدي“، فأقرأ الفاتحة للعم رجاء، ثم أجري نحو سيارة دفن الموتى الموشكة على التحرك بجثمان الصديق مجدي مهنا لأقرأ له فاتحة الوداع، فيصطدم ناظري بوجوه بعض الخراتيت البشرية التي لوّثت عكارتها صفو الجنازة، فأمنع نفسي من الصراخ وقلبي يتلظى: ”يا رب، أليس من العدل أن يختار الموتى مشيعيهم، على الأقل ليمنعوا من حضورها كل من أذاهم في حياتهم“.

كان المكان ممتلئًا بالحزانى على فقد كاتب وناقد كبير مثل رجاء النقاش، وهو حزن شاركتهم فيه، لكن حزني كان أثقل وأعمق، لأنني فقدت أستاذًا ومعلمًا وصاحب أفضال لا تُنسى، فقد كنت أحد الذين لمّهم رجاء النقاش من الشوارع، أقولها حرفيًا وفعليًا، لا مجازًا ولا مبالغة، في تلك الأيام من ربيع 1998، بعد أن أُغلقت صحيفة (الدستور)، كان الكل يتعامل معنا بوصفنا ”جَرَبَة“ وشبهة، بعد أن سرت في كل المؤسسات الصحفية أن من سيستعين بأي من ”بتوع الدستور“ سيتعرض للمساءلة.

كنت مهددًا يومها بالطرد من الشقة التي لا أملك إيجارها، فاتصل بي وهو المتهم ظلمًا بأنه المجامل المتزلف للنظام والذي يحسب لكل خطوة ألف حساب، وطلب مني الإسراع بكتابة مقال أسبوعي للنشر في مجلة (الكواكب) التي كان يرأس تحريرها، ووافق حين اقترحت عليه عنوان (مشاغبات فنية)، ونشر المقال مسبوقًا بكلمة ”بقلم“ وبصورتي، وأنا الذي لم أكن قد بلغت الخامسة والعشرين بعد.

حين رأيت الصفحات التجريبية للمقال، صارحته بحرجي الذي يُفرمِل فرحتي، فقال لي مطمئنًا ومشجعًا: ”يا عبيط.. إنت عارف أنا كنت رئيس تحرير الكواكب وأنا عندي كام سنة“.

وبعد ما فعله معي أزعم أن الكثيرين من مسؤولي تحرير الصحف تجرأوا على استقدام أبناء ”الدستور“ للعمل في صحفهم.

وبعدها، فتحت لي مقالة (الكواكب) طريقًا للعمل في مجلة (صباح الخير) ثم في مجلة (المصور)، ثم في صحف وفضائيات عربية، والكل اعتبرني كاتبًا ذا حيثية فقط لأن رجاء النقاش شخصيًا احتفى بي.

ومع أن كتابتي لتلك المشاغبات الفنية لم تجلب له إلا المشاكل ووجع الدماغ والقضايا، إلا أنه لم يمنع لي مقالًا واحدًا من النشر، وعندما تحولت المقالات إلى صداع أسبوعي لا يُحتمل له، طلب مني أن أتوقف قليلًا عن كتابة الذين أكرههم، وأكتب عن الذين أحبهم لأن ذلك سيغيظ الذين أكرههم أكثر، فبدأت كتابة سلسلة مقالات (الموهوبون في الأرض).

يتصل بي ذات يوم ”إنت فين؟“، ولأن الخجل يغمرني من كرمه الدائم، كرامتي تنقح عليّ فأفضل أكلة فول وطعمية في البيت على الغرق في مائدته العامرة التي تلمّ أمثالي من المفلسين من حين لآخر، أقول له كاذبًا إنني سأسافر إلى الإسكندرية، يقول لي: كلمني لما ترجع، وفي الغد أعرف أنني فوّت جلسة عامرة بما هو أشهى من كل لذائذ الدنيا، فيها الطيب صالح، ومحمود درويش معًا في بروجرام واحد، فألعن أبو الكرامة التي جابت لي الكافية، وحرمتني من تلك البهجة.

كان وقتها لايزال يراني نبيلًا، ويحذرني من أن أفعل ما يضعني في قائمة الأوباش، فالناس عنده نبلاء أو أوباش، وتصاريف الحياة التي لا مجال لتقليب مواجعها الآن، جعلته يضعني لفترة وجيزة في قائمة الأوباش بعد أن أجبرتني الظروف على العمل مع واحد ممن خذلوه بقوة، لكن محبته لي أعادتني إلى قائمة ثالثة هي قائمة النبلاء الذين كادوا أن يكونوا أوباشًا.

قلما رأيت كاتبًا مثل الأستاذ رجاء حصل على قدر مهول من النجاح وهو صغير، وعاش سنوات طويلة من التألق والمجد، ومع ذلك لا تجده مشغولًا طول الوقت بذاته والحديث عن نفسه وعظمته وإنجازاته، برغم أنني لا أعتبر ذلك عيبًا لدى الكتّاب الذين يفعلون ذلك، فقد تعلمت أن أحب الناس على ما هم عليه، ولا أبحث فيهم عن صفات تزينهم لديّ، ولذلك تمكنت من أن أحب وأقترب وأتعلم من فرقاء ربما لايجمع الكثيرون بين صداقتهم ومحبتهم.

كان بعض من عرفتهم من الكتاب والفنانين الكبار ينطبق عليهم قولك: ”تسمع بالمعيدي خير من أن تراه“، ولم يكن العم رجاء من هؤلاء أبدًا، على العكس تمامًا، جعلتني معرفته عن قرب أحبه أكثر وأتسامح مع بعض ما لم يعجبني في كتاباته فأفهمه في سياق شخصيته شديدة الرقة، الرقة التي تصل إلى حد الهشاشة إذا واجهت نقدًا سلبيًا أو سمعت تشنيعة أو قوبلت بعدوانية.

وبرغم عمره الطويل في الحياة الثقافية التي تميت القلوب، وتجعلها شرسة في مواجهة من يسعى إلى النيل منها، إلا أنه كان يواجه عدوانية الآخرين دائمًا بالانكفاء على ذاته، والاكتفاء بصحبة مختارة لطيفة قلما يسعى إلى توسيعها، صحبة إن لم تكن تنفعه فهي لاتؤذيه، وكان هذا يكفيه.

لذلك، والعلم عند الله ورجاؤنا فيه لا يخيب، سيأتي رجاء النقاش يوم القيامة، وقد أحسن إلى هذا، ونشر لهذا، وكتب عن هذا فاختصر عليه سنين من العتمة والتجاهل، وأطعم هذا، وساند هذا، وشجّع تلك، ولمّ ذلك من الشوارع، وفتح بيوت أولئك، فيُعطى لرجاء النقاش من حسناتهم جميعًا، ويدخله الله فسيح جناته، ويغمره برضاه، ويغفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، ويحسن إليه كما أحسن إلينا.

هذا المقال يعبر عن رأي الكاتب ولا يعكس بالضرورة وجهة نظر شبكة إرم نيوز

حمل تطبيق إرم نيوز على هاتفك