اتجاهات

إيران والبتروكيماويات

ناصر التميمي

ناصر التميمي

كاتب وباحث - متخصص في العلاقات الدولية والشؤون الخليجية-الصينية

+A -A
تاريخ النشر: 24 أبريل 2022 20:53 GMT

تعوّل إيران على صناعات البتروكيماويات باعتبارها إحدى الركائز الأساسية لجهود طهران لتنويع اقتصادها بعيدا عن النفط وجعل البلاد مرنة في مواجهة الصدمات الخارجية،

تعوّل إيران على صناعات البتروكيماويات باعتبارها إحدى الركائز الأساسية لجهود طهران لتنويع اقتصادها بعيدا عن النفط وجعل البلاد مرنة في مواجهة الصدمات الخارجية، والأهم من ذلك العقوبات التي تقودها الولايات المتحدة.

وفي هذا الإطار، تنظر جميع القيادات الإيرانية، بمن في ذلك المرشد الإيراني علي خامنئي، إلى صناعة البتروكيماويات الإيرانية على أنها توفر إمكانات اقتصادية أكبر من قطاعي النفط والغاز.

في الوقت الراهن، ارتفعت الطاقة الإنتاجية للبتروكيماويات في إيران إلى 90 مليون طن في العام 2021، تم توفيرها من قبل 64 مصنعا.

تمتلك إيران حاليا 25% من منطقة الطاقة الإنتاجية للبتروكيماويات، و2.5% من الطاقة الإنتاجية العالمية؛ مما يجعلها ثاني أكبر منتج للبتروكيماويات في الشرق الأوسط بعد السعودية.

ويستعد قطاع البتروكيماويات الإيراني لموجة جديدة من نمو القدرات، حيث تتطلع طهران إلى ضمانة مكانة البلاد كمنتج إقليمي وعالمي رائد.

وطبقا لبيانات رسمية إيرانية، من المتوقع أن تتجاوز الطاقة الإنتاجية للبتروكيماويات في إيران 100 مليون طن سنويا مع نهاية عام 2022، بينما من المرجح أن يرتفع الرقم إلى 135 مليون طن سنويا بحلول العام 2027.

في الحقيقة، شكلت صادرات البتروكيماويات شريان حياة للاقتصاد الإيراني، حيث تحايلت الشركات الإيرانية على بعض العقوبات التي أحبطت صادرات النفط.

ووفقا لبيانات أوردتها مؤسسة ”فيتش سوليوشنز“ للاستشارات، فقد تضاعفت قيمة صادرات البتروكيماويات الإيرانية لتصل إلى 12 مليار دولار في السنة المالية 2021/2022 (تبدأ السنة المالية الإيرانية في 20/3 وتنتهي في 21/3)؛ بسبب نمو الطلب وارتفاع الأسعار.

ورغم ان العائدات أقل من التوقعات الرسمية، لكن الحكومة الإيرانية تأمل في زيادة إيرادات الصادرات السنوية إلى 37 مليار دولار بحلول العام 2027.

ولعل تحقيق هذا الهدف أو الاقتراب منه ربما لا يبدو مستحيلا وسط التوقعات بتوصل إيران إلى اتفاق نووي جديد مع الولايات المتحدة في مرحلة ما خلال العام الحالي؛ مما قد يتيح تخفيف العقوبات الدولية للمستثمرين الأجانب فرصة المشاركة في توسيع هذا القطاع.

وهنا يمكن القول إن صناعة البتروكيماويات الإيرانية تتمتع بعدد من المزايا التنافسية، أهمها سهولة توافر منتجات الغاز كمواد أولية، فضلا عن أن السوق المحلي كبير. كما أن سلسلة البتروكيماويات في إيران متنوعة، والعمالة عالية المهارة ورخيصة نسبيا.

وتتطلع طهران في حال رفع العقوبات تطوير حقل غاز جنوب فارس الضخم، وزيادة استخدام النفط والغاز المصاحبين في حقول أخرى بشكل يزيد من كمية المواد الخام المتاحة.

كما تسعى إيران إلى تطوير المناطق الاقتصادية الخاصة بالبتروكيماويات، وتعول هنا على حوافز الاستيراد والتصدير المقدمة في تلك المناطق، والعلاقات الجيدة مع البلدان المجاورة، والموقع الإستراتيجي للبلاد.

علاوة على ذاك، هناك احتمالات تطوير قوانين جديدة داعمة للاستثمارات الخاصة أو الأجنبية في قطاع البتروكيماويات، كما قد تعمل الروابط الأوثق مع بكين ودول آسيوية أخرى على تحفيز نمو الصادرات، وكذلك الاستثمار الداخلي في القطاعات التي تستهلك كميات كبيرة من المنتجات البتروكيماوية، بما في ذلك صناعات السيارات والبناء.

ورغم هذه الخلفية المتفائلة، ينبغي القول إن العقوبات الدولية أثرت على مشاريع البتروكيماويات في إيران على مدى فترة طويلة من الزمن؛ مما أدى إلى انخفاض الصادرات وما يرتبط بذلك من انخفاض في استخدام الطاقة الإنتاجية، في حين تم تأخير المشروعات المشتركة مع الشركات الأجنبية أو التخلي عنها.

بالمحصلة كل ذلك جعل صناعة البتروكيماويات الإيرانية متخلفة تقنيا مقارنة بنظيراتها الإقليمية، حيث تشير بعض التقديرات إلى أن إيران متأخرة عشر سنوات على الأقل عن منافسيها الإقليميين مثل السعودية وقطر.

وهنا يمكن الإشارة إلى أنه رغم أن الطاقة الإنتاجية للبتروكيماويات بلغت نحو 90 مليون طن سنويا في العام 2021، لكن القطاع كان يعمل بحوالي ثلثي سعته الإنتاجية فقط، كما أن نقص الخبرة التقنية وعدم القدرة للوصول إلى التكنولوجيا الأجنبية المتقدمة، يجعل من الصعب تشغيل مصانع البتروكيماويات الجديدة بنجاح تام.

كما أنه من المرجح أن يقوض اللقيم غير الكافي من الإيثيلين (مركب وسيط في إنتاج الكيماويات الأخرى، وخاصة اللدائن) ثقة المستثمرين الأجانب المحتملين، الذين يعتبرون ضروريين لتوفير رأس المال والتكنولوجيا والخبرة لقطاع البتروكيماويات الإيراني الذي يعتبر بأمس الحاجة إليها.

وهناك عوامل مهمة مثل نقص المياه الذي يتزايد انتشاره في إيران ويقوض عمليات إنتاج البتروكيماويات والاقتصاد بشكل عام، كما أن أسعار المنتجات البتروكيماوية في إيران أقل بحوالي 50-70 % من أسعار السوق العالمية؛ مما قد يعيق تطور القطاع المحلي.

والأهم، قد يؤدي الفشل في التوصل إلى اتفاق بشأن الاتفاق النووي إلى استمرار فرض عقوبات أمريكية أو تكثيفها خلال السنوات المقبلة.

وفي المقابل، يحتفظ الحرس الثوري الإيراني بنفوذ كبير في البتروكيماويات؛ مما يحد من جاذبية العقود الجديدة، حتى في حالة رفع العقوبات.

وبكل تأكيد جميع هذه القيود الهيكلية والسياسية في حال استمرارها قد تعيق طموحات إيران في تطوير صناعة البتروكيماويات، أو مضاعفة الإيرادات في المستقبل المنظور.

هذا المقال يعبر عن رأي الكاتب ولا يعكس بالضرورة وجهة نظر شبكة إرم نيوز

حمل تطبيق إرم نيوز على هاتفك