اتجاهات

هل الأقصى في خطر؟

نظير مجلي

نظير مجلي

كاتب وباحث في الشؤون الإسرائيلية

+A -A
تاريخ النشر: 24 أبريل 2022 21:10 GMT

كلما يطلق أهلنا في القدس أو أخوتنا في الحركة الوطنية أو الإسلامية أو المتضامنون الكثيرون معنا في العالم عموماً، والعالم العربي والإسلامي بوجه خاص، تلك الصرخة

كلما يطلق أهلنا في القدس أو أخوتنا في الحركة الوطنية أو الإسلامية أو المتضامنون الكثيرون معنا في العالم عموماً، والعالم العربي والإسلامي بوجه خاص، تلك الصرخة ”الأقصى في خطر“، تنتاب الكثيرين منا صعقة.. يهتز البدن والكيان، ويشتعل الغضب، ويصبح مفهوماً كل ما ينجم عن هذا الغضب من أعمال احتجاج ومقاومة.

فالأقصى ليس مجرد مسجد؛ أهميته لا تقتصر على المسلمين المتدينين، إذ العلمانيون أيضاً يهبون لنجدته، المسيحيون الفلسطينيون والعرب وحتى الكثير من الأجانب، ينزعجون ويعبرون عن احتجاجهم.. حتى بين اليهود نجد مجموعات غير قليلة تنضم إلى جبهة الاعتراض والاحتجاج.. والموضوع يثير نقاشات حادة داخل المجتمع الإسرائيلي.

وأصدقكم القول إن مجرد التفكير في أن إسرائيل تهدد الأقصى، يضعنا في وضع عبثي.. فهل يعقل أن يكون قادة الدولة العبرية قد أصيبوا بمس من الجنون لدرجة تهديد المسجد الأقصى، الذي يعتبر ثالث أهم معلم مقدس لملياري مسلم في العالم؟ هل يوجد فيها من يعتقد فعلاً، أنه يستطيع تحمل تبعات قرار يهدد بتحويل الصراع القومي في الشرق الوسط، بين إسرائيل والعرب، إلى حرب دينية؟

الجواب المنطقي هو ”لا“، بل ”لا“ كبيرة.

على الرغم من كل الممارسات الإسرائيلية الفظيعة ضد الفلسطينيين ومقدساتهم، من الصعب أن نتخيل أن هناك تدهوراً لدى القيادات الإسرائيلية يجعلها تقدم على مغامرة كهذه، أو أن هناك جهلاً في قراءة الخريطة الجيوسياسية وفشلاً في رسم السياسة الإستراتيجية، إلى هذا الحد..

فكل مبتدئ في السياسة يعرف أن المساس بالأقصى، يعني ليس فقط الدخول في توتر دائم، أو الانزلاق إلى صدام هنا وصدام هناك، أو خوض معركة هنا على أرض الحرم قد تجر صدام صواريخ وغارات مع غزة، إنما هو إعلان إسرائيل حرباً عالمية وتاريخية يمكن ان تمتد لعقود وقرون طويلة.. فإن لم يحسمها جيلنا سيحسمها جيل قادم.

لذلك، أريد أن أنطلق من التقدير بأنه لا يوجد في إسرائيل مخطط لتدمير الأقصى، ولكن، لا يوجد لديّ شك في أن القيادات الإسرائيلية، كباراً وصغاراً، حكومةً ومعارضةً، شرطةً وجيشاً، تعمل كل ما يمكنه أن يشوه هذا الموقف العقلاني ويجعل الناس العاديين قلقين على الأقصى.. ولو كان الأمر يقتصر على هذا، لكانت المسألة بسيطة.

والمشكلة الأفظع، هي في تبعات أخطاء وفواحش السياسة الإسرائيلية في الأقصى وكونها تؤسس لقيام جيش يكن لها العداء ويوفر الغذاء لكل أولئك الذين يديرون حرب يأجوج ومأجوج تدمر آخر ما تبقى من آمال لحياة أخرى مختلفة في هذه البلاد المقدسة، والتي يحلو لكل من يدير الحرب فيها أن يسميها ”أرض السلام“.

الخطأ الأول، هو في الاحتلال الإسرائيلي للأراضي الفلسطينية، والخطأ الذي يصل الى حد الخطيئة يكمن في قرار ضم القدس إلى إسرائيل وفرض السيادة على المدينة، بكل مقدساتها الإسلامية والمسيحية، والخطأ الثالث يتعلق بالخلط بين الأماكن المقدسة لليهود، الحائط الغربي أو حائط المبكى أو حائط البراق، وبين الحرم الذي يضم المسجد الأقصى ومسجد قبة الصخرة.

لقد انتبه كثير من القادة السياسيين والدينيين اليهود لهذه المشكلة، فقرروا بداية منع اليهود من دخول الأقصى ووافقوا على ترك إدارة الأماكن المقدسة لجهات غير إسرائيلية؛ فدائرة الأوقاف الإسلامية في القدس، التي يقودها ويعمل فيها فلسطينيون وتعتبر إحدى دوائر الحكومة الأردنية، هي التي تدير الأقصى والكنائس المسيحية هي التي تدير كنسية القيامة وغيرها من الكنائس والأديرة.

لكن، خلال السنوات الخمس والخمسين الفائتة، لاحظنا نمو قيادات نادمة على ذلك وتحاول فرض عدد آخر من الخطايا؛ فقد نشأ تيار ديني قومي صهيوني متعصب لا يتردد في طرح مشروع لبناء الهيكل اليهودي في أرض الأقصى، ويوضحون بالصور وبالكلام أن الهيكل يجب ان يبنى مكان مسجد قبة الصخرة.

وبعد ان كان أصحاب هذا الرأي قلة قليلة منبوذة، خصوصا بعد أن أحرقوا الأقصى وضبطوا وهم يوجهون مدفعا نحو القبة، أصبحوا اليوم تيارا قويا ممثلا في الحكومة وفي الكنيست، وقامت الحكومة الإسرائيلية بتنظيم زيارات لهم مرتين في كل يوم. وفي السنة الماضية بلغ عدد من دخل باحة الأقصى منهم 33,523، وكان بينهم كثير من الاستفزازيين.

وعندما كان الفلسطينيون يعبرون عن الغضب من ذلك أدخلوا قوات كبيرة من الشرطة وحرس الحدود الذين انتهكوا حرمة المسجد وبطشوا بالمصلين.

وقامت الدوائر الإسرائيلية بحفر عشرات الأنفاق تحت الأقصى، وبعضها تسبب في تصدعات للأبنية فيه.

وفرضت قيودا شديدة على المسلمين الراغبين في دخول الأقصى للصلاة خاصة من سكان الضفة الغربية وقطاع غزة كما فرضت قيودا على زوار كنيسة القيامة.

وحتى عندما تطلق إسرائيل تصريحات التطمين بأنه لا يوجد خطر على الأقصى، فإن أفعالها لا تطمئن، وإن كانت صادقة في نواياها، عليها أن تغير سياستها بشكل جوهري وتتوقف عن ممارسة الأخطاء والخطايا، وعلينا جميعا ان لا نصب الزيت على النار التي يشعلها المتطرفون.

هذا المقال يعبر عن رأي الكاتب ولا يعكس بالضرورة وجهة نظر شبكة إرم نيوز

حمل تطبيق إرم نيوز على هاتفك