اتجاهات

محيبيس العراق

رمزي الغزوي

رمزي الغزوي

أديب وإعلامي وأكاديمي

+A -A
تاريخ النشر: 19 أبريل 2022 17:43 GMT

لا تلوح في الأفق العراقي أي بارقة أمل بانفراجة سياسية قريبة، حتى بعد أن تنقضي فترة الاعتكاف التي دخلها منذ أيام زعيم التيار الصدري مقتدى الصدر.. ليست وحدها

لا تلوح في الأفق العراقي أي بارقة أمل بانفراجة سياسية قريبة، حتى بعد أن تنقضي فترة الاعتكاف التي دخلها منذ أيام زعيم التيار الصدري مقتدى الصدر..

ليست وحدها خلافات الفرقاء اللاعبين فوق الصينية العراقية هي ما يقيم جدارا يسد الآفاق، بل إن الخلافات الظاهرة، وتلك التي تحت الطاولة في تحالف الصدر المسمّى ”إنقاذ وطن“ تفاقم ارباكات المشهد وتعقده.

حتى وإن كان التيار الصدري متماسكاً، إلا أن حليفيه ”السيادة السني“ و“الحزب الديمقراطي الكردي“ لا بدَّ أن يسعيا إلى مصالحهما، كون التحالفات في العراق تركض في بحر رمال متحركة، تجعل من الممكن تغيير الخريطة بين ليلة وضحاها، ولأي سبب كان.

ليست بالطبع هذه هي المرة الأولى – ولن تكون الأخيرة- التي يدخل فيها الصدر اعتكافا يؤجج المشهد، بل سبق أن أعلن غير مرة عن اعتكافه وحتى عن اعتزاله السياسي، ما يجعل الرخاوة هي الأصلب في المشهد العراقي الصاخب، لا سيما بعد أن فشل برلمانه المنتخب منذ أشهر في اختيار رئيس للدولة لثلاث مرات متتالية.

ونجم عن هذا الفشل تأخير في تشكيل حكومة جديدة، ما يجعلنا نسأل بحرقة عن تلك القبضة، أو القبضات، التي تستحكم على محيبيس العراق، أو محيبيساته إن جاز لنا هذا الجمع.

في عموم مدن وقرى العراق تشتعل في ليالي رمضان المبارك جولات شائقة من لعبة شعبية لها حضور بهيج يحبها العراقيون كثيراً، هي لعبة ”المحيبيس“، ويقصد به الـ ”محبس“، أي خاتم بلا فصٍّ، ويسمى أحيانا فتخة؛ هذه اللعبة ترفع منسوب المنافسة المحمومة في الفريقين والجماهير الغفيرة، إذ يخفي الفريق الأول محيبيسا في واحدة من قبضات أعضائه، ليأتي دور رجل من الفريق الخصم لإخراجه من مخبئه.

رأس مال هذه اللعبة الفراسة والذكاء والقدرة على تصفّح الوجوه وقراءتها بشكل دقيق سابر، وكذلك على استقراء الهيئة والملامح ولغة الجسد والانفعالات الجياشة في العيون، وعلى ملاحظة أدنى التغيرات الطفيفة التي تطرأ على من قد يخفي المحيبيس في قبضته، وكم تكون الدهشة عارمة عندما يستطيع اللاعب أن يخرجه من بين أكثر من مئة رجل يمدون قبضاتهم المشدودة أمامه.

اللعبة تتشابه نوعا ما مع ”لعبة الصينية“ التي كانت تسود في مدن وقرى بلاد الشام، إلا أن الفريق الأول في هذه اللعبة يخبئ المحبس تحت فنجان من الفناجين العشرة المقلوبة فوق صينية واسعة، وتكون مهمة الفريق الخصم إخراجه في أقل عدد من المحاولات بعد تصفح وتفرّس وجه اللاعب الذي أخفاه.

تذكرت المحيبيس العراقي ومسراته وصخبه، على وقع تلك الإخفاقات السياسية التي مازال يعيشها العراق، رغم مرور أقل بقليل من عقدين على الاحتلال الأمريكي، حتى غدا محبس العراق حبيسا في قبضات لا حيّ إلا الله يعلم عددها ومدى قوتها.

فلا الفراسة ولا حتى الذكاء الاصطناعي كفيلان بإخراج هذا المحيبيس من محبسه الأليم، ذلك أن الأيادي التي يحتمل أن يكون حبيسا بها لا تزداد تشددا يوماً إثر يوم فحسب، بل إنها تتعدد وتتمدد لتشهر في وجه العراقي وهو مغمض العينين مكبل الوجدان..

فكيف له أن يتفرس في أي قبضة يكمن أمن بلاده واستقرارها.. العراق لا يستحق كل سرابات كل هذا الضياع الذي يبقيه في مهب العثرات.

هذا المقال يعبر عن رأي الكاتب ولا يعكس بالضرورة وجهة نظر شبكة إرم نيوز

حمل تطبيق إرم نيوز على هاتفك