اتجاهات

التفكير بـ"التهدئة" من خارج الصندوق

عريب الرنتاوي

عريب الرنتاوي

كاتب ومحلل سياسي

+A -A
تاريخ النشر: 02 أبريل 2022 19:40 GMT

"التهدئة"، هي كلمة السر المفتاحية لكل الحراك السياسي والدبلوماسي المتصل بالمسألة الفلسطينية والمحيط بها، منذ عام أو أزيد قليلاً، وبالذات في الأسابيع القليلة

”التهدئة“، هي كلمة السر المفتاحية لكل الحراك السياسي والدبلوماسي المتصل بالمسألة الفلسطينية والمحيط بها، منذ عام أو أزيد قليلاً، وبالذات في الأسابيع القليلة الفائتة، وهي إلى جانب ”إجراءات بناء الثقة“ التي تغرف من ”سلة السلام الاقتصادي“، وتستند إلى نظرية ”الاقتصاد مقابل الأمن“، باتت السكة التي يسير عليها الوسطاء وتدور حولها المساعي الحميدة والوساطات.

من قمة شرم الشيخ الثلاثية، إلى العقبة الرباعية، مروراً بالنقب السداسية ورام الله الثنائية، عطفاً على جولة بلينكن في المنطقة، وانتهاءً بالحجيج الإسرائيلي إلى عمان (لبيد، غانتس، بارليف وهيرتسوغ)، لا شيء على جداول الأعمال، سوى ”اجتياز قطوع“ رمضان المبارك، ونزع فتيل انفجار محتمل، ودرء الأسوأ قبل وقوعه، مع أن الدلائل والإرهاصات، لا تشي بنجاحات ذات مغزى، والوضع في القدس والأقصى وفلسطين، يبدو كمرجلٍ يغلي.

للأطراف المنخرطة في هذا الحراك، مصلحة حقيقية في ”التهدئة.. واشنطن لا تريد ما يحرفها عن مركز ثقل اهتمامها: أوكرانيا وما وراءها.. إسرائيل لا تريد ”تشويشاً“ على برنامج ”الأسرلة“ والتهويد والضم الزاحف على أرض الفلسطينيين وحقوقهم.. الدول العربية التي لم تتعاف بعد، من ذيول وتداعيات جائحة كورونا، محشورة بين مطرقة فيينا وسندان أوكرانيا، وآخر ما تتمناه الانصراف إلى مواضيع أخرى.. ”التهدئة“ ستسقط إن جرى تثبيتها، برداً وسلاماً على الجميع.

لكن السؤال الذي يطرح نفسه بإلحاح: هل ”التهدئة“ مصلحة فلسطينية؟، وعندما نقول ”فلسطينية“ نقصد الشعب الفلسطيني وقضيته الوطنية، ولا نقصد أبداً، مصلحة السلطة والرئاسة أو حماس وحكومة الأمر الواقع في قطاع غزة.
لا شك أن للسلطة مصلحة في ”التهدئة“، فالانفجار إن وقع، وكان كبيراً، يحمل في طياته مخاطر انجراف السلطة وتفكيك قبضتها الضعيفة التي بالكاد تقوى على الإمساك بالمناطق ”أ“ من الضفة وفقاً لتقسيمات أوسلو.. وحماس، التي تختنق بقطاع غزة المحاصر (ويختنق بها)، لا همّ لها أكثر من الحفاظ على ديمومة سلطتها، وهي إن فكرت بالمواجهة والتصعيد، فإنها تفضل بكل تأكيد، أن ترتسم خطوط التماس والمواجهة في القدس والضفة الغربية، بعيداً عن القطاع المنهك..

”التهدئة“، هي خيار جيد للسلطة، وجيد لحماس في حال لم تجد نفسها مرغمة على العودة لـ“سيف القدس“ من جديد.
لكن مرة أخرى، هل ”التهدئة“ خيار جيد للفلسطينيين، شعباً، وحقوقاً، وقضيةً وطنية؟

إن لم ترتبط ”التهدئة“ بوقف شامل لأعمال الزحف الاستيطاني في الضفة ومشاريع ”الأسرلة“ والتهويد في القدس، وإنهاء الإعدامات خارج القانون ووقف حملات التنكيل والاعتقال والتهجير وتدمير منازل الفلسطينيين وتقليع أشجارهم، فإن نتائجها ستكون وبالاً على الشعب والقضية في آن واحد.

وإن لم تُشتَرَط ”التهدئة“ و“إجراءات بناء الثقة“ المصاحبة لها، بفتح أفق لمسار سياسي ذي مغزى، يتخطى نظرية ”الاقتصاد مقابل الأمن“، فإن المعنى الوحيد لها، هو دعوة الفلسطينيين للتكيف مع مخرجات الحل الإسرائيلي للقضية الفلسطينية، والتي تُعَد ”صفقة القرن“، سقفا لها، لا أرضية تنطلق منها.

المواجهة الفلسطينية لانتهاكات الاحتلال وتعدياته في الأقصى والقدس وعموم الأرض المحتلة، هي التي جاءت بوزير الخارجية الأمريكية أنطوني بلينكن مرتين للمنطقة، الأولى قبل عام، لاحتواء ذيول وتداعيات ”انتفاضة القدس وسيفها“ والثانية قبل أيام، لمنع تكرار السيناريو نفسه..

المواجهة هي طريق الفلسطينيين لإعادة وضع قضيتهم على جدول أعمال الإقليم والمجتمع الدولي، أما ”التهدئة“ بالطريقة التي يجري تداولها، فهي طريقهم الأقصر، للترك والنسيان.

التهدئة“ خيار ”مريح“ على المدى القصير ومكلف على المديين المتوسط والبعيد، أما المواجهة فهي خيار مكلف على المدى الأقصر، ومربح على المدى الأبعد، فهل يمكننا التفكير بـ“التهدئة“ من خارج صناديق الوساطات والمساعي الحميدة؟

هذا المقال يعبر عن رأي الكاتب ولا يعكس بالضرورة وجهة نظر شبكة إرم نيوز

حمل تطبيق إرم نيوز على هاتفك