اتجاهات

هل تُوقِف الأزمة الأوكرانية طريق الحرير الصيني إلى أوروبا؟

ناصر التميمي

ناصر التميمي

كاتب وباحث - متخصص في العلاقات الدولية والشؤون الخليجية-الصينية

+A -A
تاريخ النشر: 27 مارس 2022 21:15 GMT

أطلق الرئيس الصيني شي جين بينغ رسميًا مبادرة الحزام والطريق، في العام 2013، وسط دعوات لتعميق التعاون الاقتصادي بين الصين وأوروبا.. وفي غضون سنوات قليلة فقط،

أطلق الرئيس الصيني شي جين بينغ رسميًا مبادرة الحزام والطريق، في العام 2013، وسط دعوات لتعميق التعاون الاقتصادي بين الصين وأوروبا.. وفي غضون سنوات قليلة فقط، أصبح الجسر البري الأوروبي الآسيوي الجديد، الذي ينقل البضائع عبر السكك الحديدية بين الصين وأوروبا، جزءًا أساسيًا من المبادرة الصينية.

ومنذ تدشينه، خلال العقد الماضي، شهد ما بات ما يطلق عليه مجازًا ”طريق الحرير“ البري واحدة من أكثر التجارب التجارية إيجابيةً وربما نجاحًا، ولعل الأرقام التي تنشرها شركة مجموعة السكك الحديدية الصينية الحكومية بشكل مستمر تدلل على هذا الأمر بشكل جلي.

وفي العام 2021، تم تحقيق رقم قياسي بلغ 15183 رحلة قطار على طول طريق أوراسيا، مقارنةً بـ 17 فقط قبل عقد من الزمن، في حين تم نقل 1.46 مليون حاوية نمطية تعادل 20 قدمًا، مقابل 1400 حاوية فقط، في العام 2001.

وعادةً ما تمر خطوط السكك الحديدية بين الصين وأوروبا عبر كازاخستان، وروسيا، وبيلاروسيا، قبل الوصول إلى أوروبا، وتستغرق حوالي أسبوعين لنقل البضائع، بينما يستغرق النقل البحري حوالي شهر أو أكثر.

وأظهرت أرقام السكك الحديدية الصينية الحكومية أن هذا الخط قد حقق، خلال العقد الماضي، أكثر من 50 ألف رحلة قطار نقلت 4.55 مليون حاوية نمطية من البضائع بقيمة 240 مليار دولار أمريكي إلى 180 مدينة في 23 دولة في أوروبا.

وفي الحقيقة، شهد هذا الطريق، في العام 2021، زخمًا قويًا، حيث ساهمت تداعيات جائحة كورونا بإعاقة عمليات الموانئ على مستوى العالم، وفي تأخير كبير في الشحن، وزيادة تكاليف الشحن البحري، الأمر الذي دفع العديد من المصدرين والمستوردين إلى استكشاف القطارات كخيار للنقل. فقد وصلت القيمة الإجمالية للتجارة عبر القطارات ثنائية الاتجاه بين الصين وأوروبا نحو 75 مليار دولار، في العام الماضي، (أو ما يعادل حوالي 6.4% من إجمالي التجارة بين المنطقتين والتي وصلت إلى حوالي 1179 مليار دولار)، مقابل 50 مليار دولار، في العام 2020، بحسب البيانات الصينية الرسمية.

لكن الأزمة الأوكرانية بدأت تلقى بظلالها القاتمة على تلك النجاحات الصينية، حيث تهدد الحرب بتعطيل وربما قطع هذا الرابط الحيوي في سلسلة التوريد العالمية.

صحيح أنه من السابق لأوانه الحديث عن كافة التأثيرات على طرق التجارة البرية لمبادرة الحزام والطريق بين الصين وأوروبا، لكن من الصعب تخيل استمرار الشركات الأوروبية في استخدام الطرق التي تمر عبر روسيا على الأقل في المدى القصير، خاصة مع تكثيف الاتحاد الأوروبي، والولايات المتحدة، والمملكة المتحدة، ودول أخرى للعقوبات الاقتصادية على البنوك، والشركات، والأفراد الروس.

وهذه أخبار سيئة لمبادرة الحزام والطريق الصينية، حيث يتعين الآن إيجاد طرق بديلة لأكثر 1.4 مليون حاوية كانت تنقل السيارات، وقطع غيار السيارات، وأجهزة الكمبيوتر المحمولة، والهواتف الذكية، وتقطع مسافة 10 آلاف كيلو متر من السكك الحديدية التي تربط بين غرب أوروبا وشرق الصين عبر روسيا، مما قد يزيد من التكاليف، ويهدد بتفاقم فوضى سلسلة التوريد العالمية المضطربة أصلًا.

السفن لا تزال أرخص وسيلة لنقل البضائع، حيث تبلغ تكلفة نقل الحاوية بالسكك الحديدية ضعف تكلفة الشحن البحري، لكنها قد تستغرق شهرًا أو أكثر نتيجة الاختناقات في الموانئ الصينية والعالمية، مقارنة بقرابة أسبوعين بالقطارات.

والشحن الجوي هو خيار آخر، على الرغم من أن المسارات قد لا تكون مباشرة مثل الماضي، وتحتاج مع العقوبات المفروضة على روسيا إلى إجراء بعض التغييرات والتي قد تتطلب وقتًا أطول وتكلفة أعلى.

وفي الوقت الحالي، يستمر الشحن في التدفق على طول الجسر الأرضي الأوروبي الآسيوي الجديد، والذي يُطلق عليه أيضًا الجسر القاري الثاني، وهو النظير الجنوبي للجسر الأرضي الأوراسي، ويمر عبر الصين، وآسيا الوسطى، مع خطط محتملة للتوسع جنوب وغرب آسيا. لكن هذه الطرق لا تزال تحتاج إلى توسيع الطاقات الاستيعابية، ونقل البضائع بين الموانئ، والمرور عبر دول قد تكون معرضة لاضطرابات سياسية أو حتى الحروب.

بالمحصلة، قد يؤدي ذلك كله إلى إعادة تنظيم لسلاسل التوريد بين الشرق والغرب، بما قد يترتب على ذلك من تداعيات جيوسياسية واقتصادية قد تكون عميقة.

ولعل هذا ما حذّر منه، أخيرًا، لاري فينك، الرئيس التنفيذي لشركة ”بلاك روك“، وهي أكبر شركة لإدارة الأصول في العالم، ”الغزو الروسي لأوكرانيا وضع حدًا للعولمة التي شهدناها على مدى العقود الثلاثة الماضية (…)، وسيحث الشركات على التراجع عن سلاسل التوريد العالمية الخاصة بها“.

وفي منطقتنا العربية التي تعتمد على استيراد كل شيء تقريبًا، فإن شظايا هذا التحول من المؤكد أن تصيب العديد من الدول بطريقة قد تكون مؤلمة.

هذا المقال يعبر عن رأي الكاتب ولا يعكس بالضرورة وجهة نظر شبكة إرم نيوز

حمل تطبيق إرم نيوز على هاتفك