اتجاهات

ليل.. ودندنة

خيرة الشيباني

خيرة الشيباني

أستاذة فلسفة وكاتبة تونسية

+A -A
تاريخ النشر: 26 مارس 2022 10:21 GMT

ما من أحد يدخل الحرب وهو محصن الجسم، والعقل، والروح، بدرع منيع، كما تقول إحدى الباحثات في كتاب "المرأة والحرب " التي حررته كارول كوهن، فكُلنا، رجالاً ونساءً

ما من أحد يدخل الحرب وهو محصن الجسم، والعقل، والروح، بدرع منيع، كما تقول إحدى الباحثات في كتاب ”المرأة والحرب “ التي حررته كارول كوهن، فكُلنا، رجالاً ونساءً مستضعفون في الحرب، وأمامها، وبسببها، وكلنا معرضون إلى هشاشة رهيفة ونحن نتأهب للدغة الموت وسمها القاتل..

ولعل أجمل الرسائل وأكثرها شجناً، هي تلك التي يرسلها جنود وضباط إلى أمهاتهم وزوجاتهم من جبهات القتال، كما أن أقسى الصور ربما تكون صور جنود يبكون وهم يحفرون قبوراً عشوائية لرفاقهم في ساحات المعارك، أو يصرخون من هول ما يشاهدونه من أشكال الدمار حولهم، وعندما تسقط القنابل على رؤوسنا لا تختار أهدافها، حيث تضرب النساء دون الرجال أو الرجال دون النساء.

كلنا مستضعفون في الحرب، وكلنا ضحاياها، بمن في ذلك الذين خططوا لها، من الرجال، وأطلقوها، وخاضوا مراحلها المختلفة، خاصة أن الحرب، مع تطور صناعات الحرب، وإنتاجها لوسائل قتال أشد فتكاً مما عرفته البشرية في تاريخها، لم تعد تحتاج إلا فيما ندر، إلى قوى جسدية خارقة، أو إلى بطولات استثنائية ليخوضها البشر بعضهم ضد بعض، أو لاختبار القوة التدميرية لما يروجونه من أيديولوجيات، وصراع حضارات، وهويات، وتضارب مصالح مختلفة.

فقدت إذن الحرب طابعها الذكوري المحض، وبدأت تتراجع وبقوة صورة النساء اللواتي يكتفين في أغلب الحالات بتضميد الجراح، والبكاء على فقد الأحبة.

والأمر لا يتعلق فقط بإمكانية شن ”حروب نظيفة “ بدم بارد كسيدة بيت تفصص البازلاء وهي تستمع إلى طقطقات موسيقية، حروب يشنها خبراء في أسلحة الدمار، وتقنياتها المرعبة، وهم يدققون تصويب قنابلهم وصواريخهم من علياء جحيمهم إلى أهدافهم الاستراتيجية دون أن يقصفوا -كما يدعون- أرواح أطفال، أو يُرمّلوا رجالاً و نساءً، إذ يكفي هؤلاء التقنيين، الذين لا نعرف وجوههم ولا المشاعر التي تحركهم، حذق فني، وتمكن من جغرافيا الموت الذي سيزرعونه في بلاد الخصم.

كما أن الأمر لا يتعلق بملاحظة مساهمة أكثر فاعلية للمرأة في الحرب بالتحاقها بالجيوش النظامية أو الجماعات المسلحة في العديد من البلدان بحثًا عن مورد رزق، أو دفاعاً عن قناعات سياسية أو أيديولوجية أو دينية، وبالتالي تعرضها لما يتعرض له الرجال أثناء الحرب من أهوال ولما بعدها من آثار نفسية و جسدية.

كلنا مستضعفون في الحرب، مع تغير فاعليها، وانخراط عصابات، وشركات صناعة للأسلحة، وشبكات تهريب للآثار، والثروات الطبيعية، وشبكات للدعارة، والإتجار بالبشر، وشركات مرتزقة فيها، ولكن أكثرنا استضعافاً وهشاشة هن النساء بعد أن تحول استهدافهن منذ الثمانينيات إلى أداة من أدوات الحروب القاصمة، واستراتيجية من استراتيجياتها التي تروم إذلال الخصم، وإهانته، وطعنه في شرفه، بل والاستيلاء على ”ممتلكاته“.

ولعل أشد عمليات الاستهداف تلك التي حولت أجساد النساء إلى ساحات معارك، تشويهًا، واغتصابًا، وتهجيرًا قسريًا، وقتلًا.

لنتذكر سنوات الجمر في الجزائر، لقد كان تعذيب نساء طبيبات، وجامعيات، وصحفيات، ومثقفات، وقتلهن، وتشويه وجوههن، واغتصابهن انتقاماً للمشروع التنويري الذي يمثلنه، وإعلاءً لمشروع ظلامي دفعت الشقيقة الجزائر ثمناً فادحاً لزحزحته من المشهد السياسي، وضعافه داخل النسيج المجتمعي.

لنتذكر عمليات الاغتصاب الممنهجة للنساء البوسنيات من طرف الفصائل الصربية، وما تلتها من عمليات الإبادة الجماعية، ففي إطار النظرة البطريركية للمرأة، وحصرها في الدور الإنجابي كان التداول على اغتصاب النساء البوسنيات، وتكراره من قبل هذه الفصائل، يهدف أساسًا إلى الحيلولة دون إعادة إنتاج الجماعة الثقافية المختلفة عرقيًا، وثقافيًا، ودينيًا، وبالتالي الحيلولة دون إنجاب مواليد جدد يكونون هم محاربو المستقبل، بالإضافة إلى إلحاق العار بالأسر البوسنية، وإرباكها نفسيًا واجتماعيًا..

وكثيراً ما أفضى حمل النساء البوسنيات من جنود صرب إلى انتحارهن إثر الوصم الذي لحق بأسرهن أو إلى مغادرة مناطقهن هرباً من النبذ، وكما أفضى اغتصابهن في العديد من الحالات إلى الإنكار، حيث تتكتم المرأة المغتصبة عما لحقها من رضوض نفسية يصعب التعافي منها أو ينكر أفراد الأسر والأقارب ذلك الفعل المشين إنكاراً حاداً يكشف درجة الألم الذي يخترق القلب، فلماذا يقول زوج بوسني إلى إحدى الصحف البوسنية: ”كلا، زوجتي بالتأكيد لم تُغتصب حينما كانت محتجزة، ولو أنها اغتصبت لما تمكنت من تركها تعود للبيت، وتعتني بالأطفال، وتكون زوجتي“.

وأخيراً، لنستحضر النساء العراقيات من الإيزيديات، وغيرهن، والنساء السوريات اللواتي اختُطفن، وأُجبرن على الزواج القسري، فكان أن رضخن أحياناً أو أُجبرن على الرضوخ حتى لا يتكرر اغتصابهن، أو أولئك اللواتي تم تسليعهن وبيعهن في سوق النخاسة ليكن موضوع متعة أفراد العصابات الإرهابية، بحيث أصبحت تلك الممارسة ”القروسطية“ الشنيعة موردًا من الموارد المالية للعصابات الإرهابية، دون أن ننسى ما حدث في ساحات معارك أخرى في رواندا أو ما يحدث الآن على ساحات الصراع في دول جنوب الصحراء.

لم تعد الحرب في أفضل الحالات تقتصر على الحرب العسكرية ساحاتها المدن، والخنادق، والملاجئ، والسماوات المفتوحة على الجحيم، بل أصبحت أجساد النساء أيضاً ساحات للمعارك الأيديولوجية، والدينية، والثقافية، تُخط عليها رسائل العدو للعدو، وتتم على أرضها تصفية حسابات أعداء أضاعوا وسائل الضبط الاجتماعي، والأخلاقي، وتركوا الجراحات، والرضوض النفسية، غباراً لمعاركهم.

من شاشة التلفزيون أتابع نساءً أوكرانيات يطبخن الطعام لجنود بلادهم في أحد ملاجئ مدينة كييف التي تلعق دماءها الساخنة، وأستمع إلى صوت شابة تشدو بما استطعت ترجمته ببيت شعري لصديقتي الشاعرة فاطمة محمود: ”أيها الليل تنحَّى قليلًا نريد أن نرى ضوء الصباح“، وخُيل لي أنه لم يعد في ساحات المدينة دمار ولا غبار.. وفي الذاكرة صدى لدندنات فلسطينية، وعراقية، وسورية.

هذا المقال يعبر عن رأي الكاتب ولا يعكس بالضرورة وجهة نظر شبكة إرم نيوز

حمل تطبيق إرم نيوز على هاتفك