اتجاهات

"الجريمة والعقاب".. في مديح الثقافة الروسية!

إبراهيم حاج عبدي

إبراهيم حاج عبدي

كاتب ومحرر أخبار رئيسي في موقع إرم نيوز

+A -A
تاريخ النشر: 25 مارس 2022 15:24 GMT

إبراهيم حاج عبدي "أجمل ما في روسيا هو ثقافتها".. هذه حقيقة تجلت عبر العصور في حقول المسرح والرواية والشعر والسينما والموسيقا والتشكيل... غير أن هذا الجانب

إبراهيم حاج عبدي

”أجمل ما في روسيا هو ثقافتها“.. هذه حقيقة تجلت عبر العصور في حقول المسرح والرواية والشعر والسينما والموسيقا والتشكيل… غير أن هذا الجانب الروسي المضيء في البلد المترامي الأطراف بات محاصرا من الدول الغربية بذريعة الغزو الروسي لأوكرانيا، فالعقوبات لم تقتصر على الجوانب الاقتصادية والتجارية والمالية والدبلوماسية، بل طالت كذلك الثقافة والفنون والرياضة…

وبدا واضحا أن أمر الحصار والمنع لا يتعلق، فقط، بشخصيات ثقافية أيدت الرئيس الروسي فلاديمير بوتين في سياساته عموما، وفي حربه الأخيرة ضد أوكرانيا، بل طالت رموزا ثقافية روسية أغنت الثقافة العالمية بكتابات تعد الآن من الكلاسيكيات التي يصعب تجاهلها لدى اي حديث عن الثقافة والأدب، كما هو الحال مع الروائي الروسي الأشهر ديستوفسكي الذي منعت جامعة ايطاليه تدريس أعماله، وهو للمفارقة صاحب رواية ”الجريمة والعقاب“، المذهلة بعوالمها ومناخاتها وسردها المحكم، التي تروي حكاية البطل راسكولينكوف الذي اضطر الى قتل مرابية عجوز مستغلة، ليعاني حالة شديدة من ”تأنيب الضمير“ على فعلته تلك، ليكون عذاب الضمير هذا عقابا ”ربانيا“ له… ما يعني ان كاتب الرواية يعارض القتل حتى ضمن ظروف قاهرة معينة، فما بالك بموقفه، لوكان حيا، من غزو بلد آمن؟

وبلغ الجنون الغربي في شيطنة الثقافة الروسية بأن أزالت جامعة فلوريدا الأمريكية اسم الفيلسوف والمفكر الالماني كارل ماركس عن إحدى قاعات الدراسة في الجامعة، ووضعت رقما بدلا من الاسم، في مؤشر على عشوائية مضحكة، فما علاقة ماركس الألماني بروسيا، وريثة الاتحاد السوفييتي الذي طبق بعض أفكاره في نظامه الشيوعي، الذي آل الى السقوط، قبل وصول بوتين إلى السلطة.

أسماء أدباء روس كثر شاعت في العالم العربي بفضل حركة الترجمة النشطة، عندما كان المد اليساري يجد أصداء مرحبة في العالم العربي قبل عقود، فعرف القارئ أعمال مكسيم غوركي، الذي تحولت روايته الأم إلى إنجيل اليساريين العرب، وايفان تورغنييف وليرمونتوف وبوشكين وانطون تشيخوف وتولستوي ونيكولاي اوستروفسكي وغوغول الذي قيل عنه بأن ”القصة الروسية خرجت من تحت معطفه“، والمعطف عنوان قصة قصيرة له تركت أثرا عميقا على كتابات الأدباء الروس فظهرت تلك المقولة…

هذه الأعمال وغيرها كرست لقيم جمالية تناهض الحروب والنزاعات وتدعو إلى السلم والعدالة والمساواة، أي أن ما نادت به تلك الأعمال الادبية، إلى جانب ذلك الافلام السينمائية والمسرحيات، يتوائم مع الأصوات التي تطالب الآن بوقف الحروب، ولذلك لا يمكن معاقبة الثقافة الروسية، بكل إنجازاتها اللافتة، بذريعة ترويض سياستها ”الرعناء“، ذلك أن الثقافة والسلطة كانتا على الدوام على طرفي نقيض، وهو ما عبر عنه وزير الدعاية الهتلري غوبلز الذي ينسب له مقولة تفيد: ”كلما سمعت كلمة مثقف تحسست مسدسي“، في إشارة إلى ذلك التنافر الدائم بين السياسي والمثقف.

الثقافة، في أبسط وأهم مدلولاتها، هي تعبير عن كل قيم الحق والعدل والجمال، وهي التي تظهر دائما الجانب الخيّر في الإنسان، وتدعو إلى التسامح والتعدد والتعايش، وتدين كل ما من شأنه الحط من كرامة البشر، وحين تتم مصادرة الثقافة الروسية تحت شعارات ”معاقبة روسيا“، فإن بوتين لا شك يضحك في سره، ذلك أن التضييق الغربي على الثقافةالروسية ستكون له تأثيرات عكسية، فهو سيسهم في إضعاف صوت المثقف في مواجهة السلطة، ولا شك أن الكثير من المثقفين الروس يعارضون سياسات بوتين، ولعل نبذهم على هذا النحو سينقلهم، قسرا، إلى الضفة الأخرى.

والمفارقة ان الغرب تعامل في قضايا مماثلة بشكل معاكس، ففي الوقت الذي فرض فيه عقوبات على إيران مثلا راحت تحتفي بمثقفيها، خاصة في مجال السينما، إذ حققت السينما الإيرانية نجاحات لا تحصى في مهرجانات مرموقة، ذلك ان المؤسسات الثقافية الغربية فصلت بين الثقافة الإيرانية وبين سياسة حكامها.

حين تشتد المعارك ويتعالى أزيز الرصاص وتطغى نزعات الكراهية والإقصاء، فإن الحاجة تكون ضرورية، عندئذ، إلى الثقافة والفن والادب والشعر والموسيقى، وربما لو قرأ الطغاة لمثقفي بلادهم، وشاهدوا سينماها ومسرحها… لما ارتكبوا حماقات الحروب، فللثقافة سحر لا مرئي يروض النفوس، ويخفف من بشاعة هذا العالم العبثي.

هذا المقال يعبر عن رأي الكاتب ولا يعكس بالضرورة وجهة نظر شبكة إرم نيوز

حمل تطبيق إرم نيوز على هاتفك