اتجاهات

المحروق (1 من 4)

بلال فضل

بلال فضل

كاتب وسيناريست

+A -A
تاريخ النشر: 24 مارس 2022 6:49 GMT

لم تكن الصحافة، في تلك الأيام، قادرة على تغيير أي شيء في البلد، لكنها ـ دون أن تقصد ـ نجحت في إدخال السخان الكهربائي إلى بيتنا العريق بالإسكندرية، بعد عقود من

لم تكن الصحافة، في تلك الأيام، قادرة على تغيير أي شيء في البلد، لكنها ـ دون أن تقصد ـ نجحت في إدخال السخان الكهربائي إلى بيتنا العريق بالإسكندرية، بعد عقود من مقاومة التغيير، والوفاء غير المشروط وغير المنطقي لـ ”وابور الجاز“.

كنا وقتها في 1997، وكنت عائدًا إلى الإسكندرية لأقضي إجازة قصيرة أستمتع فيها بصحبة أخوالي وخالاتي: آكل ”لُقمة نظيفة“، وأغسل ملابسي التي أُهين أنسجتها كلما غسلتها بنفسي، وأقضي ”ساعات صفًا“ على البحر تساعدني على تمضية الأسابيع الصعبة التالية في مطحنة القاهرة التي لا تتوقف فيها الصراعات الشرسة لإثبات الوجود، والبحث عن مكان تحت سطح الشمس.

كان كل شيء في بيت عائلتي رائعًا مقارنةً بالخرابة التي أسكنها في إحدى حواري الجيزة: السرير الحنيّن النظيف الذي يمكن الاعتماد عليه في التقلبات، الكنبة المريحة المستقرة بشموخ أمام التلفزيون الملون والفيديو، المطبخ الذي لا تنقطع منه الروائح الفاتحة للشهيّة، الثلاجة العامرة بالخير الطازج والبايت، جهاز الكاسيت المحاط بأجمل ”الشرايط“ وأحدثها، البلكونة المطلة على شارع يشغي بالحياة، والمفعمة بهواء يردّ الروح.

ومع أن الحمام وحده كان بعيدًا عن نطاق حركة التحديث المتواصلة في البيت، إلا أنه كان أنظف وأوسع وأفضل بكثير من حمام شقتي الذي لم يكن به ماء ساخن أو شطاف أو سيفون أو حتى باب، وهذه قصة أخرى ـ بضم الألف ـ سأعفيك من شرحها.

جدتي ”نرجس“ التي توفيت قبل عامين مما جرى لي في الحمّام، كانت السبب الأبرز في مقاومة إدخال أي نوع من السخّانات إلى البيت، بسبب ما سبق أن قرأته وسمعته عن حوادث الاختناق التي تتسبب بها سخانات الغاز، فضلًا عن استهلاكها الهائل لأنابيب البوتاجاز في منطقتنا في تلك الأيام التي لم يكن الغاز الطبيعي فيها من ”الأوبشنات“، وبسبب ما سمعته عن الارتفاع الهستيري لفواتير النور في أي شقة يدخلها سخان الكهرباء، دون أن تستجيب لاعتراضات أصغر خالاتي التي كانت من رواد التعامل مع أحدث الأجهزة الكهربائية منذ أن تزوجت مقاولًا ميسور الحال، والتي كانت تقلل من مبالغات جدتي في هجاء السخانات التي يمكن تأمينها والسيطرة على فواتيرها بتنظيم استهلاكها، وترى في مقاومة التغيير أمرًا محرجًا لها أمام زوجها وأسرته حين يزوروننا ويضطرون لدخول الحمام.

كان الكل يدركون انعدام جدوى أي نقاش عقلاني مع جدتي في تغيير ما تحبه وتأنس إليه، يعني، لم ينفع من قبل إقناعها بعدم جدوى تربية الأرانب في إحدى غرف البيت بعد أن خلا من أغلب أبنائها الذين تزوجوا وتركوها إلى حياة جديدة، ولا تنبيهها إلى أن بعض الأقارب وكثيرًا من الجيران أبدوا انزعاجهم من عشّة الفراخ التي نصبتها في ركن من البلكونة والتي لا تناسب أوهامهم الطبقية عن أنفسهم، ولا نصحها بإمكانية نقل ماكينة الخياطة القديمة التي تحتل ركنًا من الصالون بعد أن أوقفها تدهور الصحة عن العمل عليها بعد عمر من الانكباب عليها نتج عنها تعليم وتستير أبنائها وبناتها.

لذلك ولذلك كله، لم يكن سيجدي الحديث معها عن ضرورة تغيير طريقتها في الاعتماد بتسخين الماء على ”وابور الجاز“ الذي كانت تطرب بصوت ”وشيشه“ وتقول إنه يريح نفسيتها، ويذكّرها بحلاوة الأيام الخوالي التي راحت وراحت معها البركة، وهي نفس الأيام التي كانت تلعنها في ساعات السخط، وتقول إنها جابت لها المرض، وتعب الأعصاب..

ولم يكن غريبًا أنها حين سافرتُ إلى القاهرة لأدرس في الجامعة، أهدتني ”وابور جاز“ صغيرًا ليكون رفيقي في ليل القاهرة الموحش، ومع أنها حاولت تعليمي كثيرًا كيف أقوم بتشغيله، إلا أنني لم أصل أبدًا إلى براعتها في ”تعمير الوابور“ وتنظيفه، وتغيير إبرته، والتعامل معه باحترافٍ ودود، كأنها محارب قديم يجيد تفكيك وتركيب وتنظيف سلاحه الأثير.

كان من الصعب أن يقبل شركاء أول سكن لي في القاهرة بالإقامة مع شخص يهبّب لهم أجواء الشقة برائحة الجاز المنبعث من الوابور، الذي كان صوت ”وَشيشه“ قد سكن وجدانه كجدته، فأصبح يأنس إليه حين يذاكر، لذلك رميت الوابور آسفًا عليه منعًا للمشاكل، ولم أعرف أن الأحوال ستتدهور بي سريعًا لأسكن بعدها بفترة في شُقَق لا تعرف طريق السخانات مثل شقة جدتي، لأعود من جديد للاعتماد على بوابير جاز، لم تكن بنفس براعة وابور جدتي التي كان يمكن أن تظنها خريجة هندسة إذا رأيتها تتحدث بطلاقة عن أنواع ماكينات الخياطة، وبوابير الجاز، وتفضّل بعضها على بعض، وتحذرك من الانخداع في ماركاتها ”الفالصو“ التي تبدو لقصار النظر أشيك وألطف.

في عاميها الأخيرين كانت جدتي قد فقدت الكثير من حدتها وصلابتها اللازمتين كأداة للبقاء في سوق الخياطة الذي تسوده منافسة شرسة، وأصبحت ألطف وأرقّ مع الجميع وبالذات معي، وكأنها كانت تدرك قصر الباقي من الزمن.

في آخر زيارة لي إلى الإسكندرية قبل رحيلها إلى جوار الله، أعطتني كرتونة صغيرة من الكعك والغريّبة، وبرطمان عسل، وبرطمان ليمون معصفر، وبعد أن حذرتني بصرامة من النوم في قطار الدرجة الثالثة لكيلا أصحو فأجد نفسي وقد فقدت ما هو أهم من الكرتونة والبرطمانين، منحتني ”حُضن مطارات“ غريبًا عليها، ولمحتُ في عينيها دمعة لم أكن قد رأيت مثلها من قبل، وحين حاولت التحقق منها، دفعتني نحو باب الشقة لكيلا أتأخر على القطار، قبل أن تحذرني من أن أترك كرتونة الكعك دون تغطيتها، لكيلا يشاركني فيها النمل الشرس، وهي النصيحة التي لم أستمع إليها للأسف.

انطفأت بهجة البيت بعد رحيل جدتي الفاجع، ولأنها كانت قد توقفت عن تربية الأرانب والفراخ قبل فترة من رحيلها، فقد تعامل الجميع مع ماكينة الخياطة، ووابور الجاز، بوصفهما أثرين مقدسين من ”ريحة الغالية“، لا ينبغي المساس بهما، ولو حتى بتحريك ماكينة الخياطة من مكانها بعيدًا عن أيادي أحفادها الأطفال الفضوليين، خاصة بعد أن رحلت من كانت تردعهم بشخطاتها وزغراتها إذا اقتربوا منها.

ولذلك استمرت ماكينة الخياطة راسخة في موقعها الأثير لسنوات طويلة، أما ”وابور الجاز“ الذي استمر الاعتماد عليه بعد رحيلها، فلم يُكتب له نفس الخلود، بعد أن تسبب بحرق مساحة شاسعة من صدري، وكان يمكن أن يؤدي إلى حرق ما هو أخطر وأكثر نفعًا، لكن ربنا ستر.

نكمل في الأسبوع القادم بإذن الله.

هذا المقال يعبر عن رأي الكاتب ولا يعكس بالضرورة وجهة نظر شبكة إرم نيوز

حمل تطبيق إرم نيوز على هاتفك