اتجاهات

في الزاوية يختبئ الشعر

رمزي الغزوي

رمزي الغزوي

أديب وإعلامي وأكاديمي

+A -A
تاريخ النشر: 21 مارس 2022 10:42 GMT

لا يعجبني تخصيصُ يوم احتفالي للأشياء الجميلة كالحب، السلام، الشعر، الصداقة؛ لشعوري أن لا نفع يجدي في تذكر هذه الأشياء في يوم عابر ثم نسيانها في ما خلا من أيام..

لا يعجبني تخصيصُ يوم احتفالي للأشياء الجميلة كالحب، السلام، الشعر، الصداقة؛ لشعوري أن لا نفع يجدي في تذكر هذه الأشياء في يوم عابر ثم نسيانها في ما خلا من أيام..

لربما كنت سأجد عذراً للعالم حين خصص مثل هذه الأيام البروتوكولية لطبقة الأوزون، أو للغابات أو حتى المياه، في مسعاه للفت الأنظار إلى أن شبح التهتك والتلاشي يراودها عن وجودها.. أما أن يخصصوا يوماً للشعر؛ فهذا ما كان لقلبي وروحي أن يحتملاه.

أيعقل أن يكون الشعر في غرفة العناية الحثيثة، ونحن لا نشعر بهذا ولا ندري؟ ويل لقلوبنا إذن.

كيف ستدور الأرض ماخرة عباب الفضاء بدونه؟ كيف ستتخلق قشطة الصباح ولهفات الفصول؟ كيف ستزدهر النجوم وتغني قُبّرات الحقول، وتخضر المجرات وترقص الشهب في سكون الصحراء؟ كيف سنفهم لغة الوردة حين تثقب خاصرة الصخرة وتعلن مولدها القاسي؟

يا الله!، ما نفع هذا العالم إن صار بلا جناح تريّشه المسافات وعذابات العاشقين وأشواقهم؟ ما نفع عالم بلا بحورك وقوافيك وأوزانك وخصب خيالك أيها السيد الشعر؟ هل حقا بتَّ قاب غفوتين من سقوط قريب في لجة النسيان؟

سيقول قائل حسناً فعلوا أن اختاروا للشعر يوماً في الحادي والعشرين من كل آذار برفقة عيد الأم والنيروز وغيرهما من المناسبات.

حسناً فعلوا علَّ الصواب يعود إلى عالمنا المهووس بالحروب، وعله يستعيد بعضاً من شاعريته بعدما أخذته البلادة والتكلس وصار بلاستيكياً بارداً منزوع الروح.

الشعر أيها العارفون درج على سجادة الأرض قبل الكلام بزمن مديد، حتى قبل نقوش الحروف ورسومات المعابد وعلامات الطرقات.. الشعر همهمات الروح، هو نهر تفتق فارشاً خضرته على ضفتيه حتى من قبل أن يعرف أن البحر لن يغدو عذبا إن صبّ فيه ليل نهار..

الشعر دهشة الإنسان الأولى من أشياء أراد أن يتماهى في أسرارها وأن يفهم بوحها.. هو لهفته من قطن السحاب قبل أن يتنزل مطرا نسج منها كنزة لدفء مشتهى.. الشعر فراشة تقطف قبلة خاطفة من زهرة وتطير من بين فروج أصابع الوقت.

عللت الأمم المتحدة اختيارها لهذا اليوم بالحاجة إلى أن ينتبه العالم من غفلة كوارثه وحقده وكراهيته وتعصبه.. وهي تقول إن الشاعر كان ينثر ورد المحبة والسلام منذ هوميروس وطرفة بن العبد وغارسيا لوركا وبابلوا نيرودا والمتنبي ومحمود درويش.. هذا اليوم تذكير لنا لنفكر في كينونتنا، ونتدبر صيرورة وسيرورة وجودنا.

ولكن كل ذلك لا يكفي، فحتى مع هدير المدافع وزمجرة الطائرات لا أكاد أتصور عالمنا بلا شعر أو شعراء. وحتى وإن كان الفيلسوف أفلاطون قد طردهم من جمهوريته الفاضلة المتخيلة، فأنا لا أتخيل عالمنا قادراً أن يحيا بلا أجنحة وخيال، ولا أن الشعر لم يعد ديواناً للعالم، وإن كنت لا أخاف قنبلة هيدروجينية تنهي حياة الأرض وحضارتها، إلا أني ما زلت أرتجف رعبا ممن لا يقرأون الشعر.

على بوابة الأمم المتحدة في النيويورك نُقش مقطعٌ من قصيدة للطفلة ميلان مورو يقول، لو كانت الأرض مربعة الشكل لوجدنا زاوية للاختباء. لكن الأرض كروية وعلينا مواجهة العالم.

هذا المقال يعبر عن رأي الكاتب ولا يعكس بالضرورة وجهة نظر شبكة إرم نيوز

حمل تطبيق إرم نيوز على هاتفك