اتجاهات

لا حَبَّ تنقره طيورنا

خيرة الشيباني

خيرة الشيباني

أستاذة فلسفة وكاتبة تونسية

+A -A
تاريخ النشر: 18 مارس 2022 6:51 GMT

خيرة الشيباني تمدني معينتي المنزلية، ذات الأربعة أطفال والزوج العاطل عن العم، في هذه الفترة، بالأخبار الحقيقية لأسعار المواد الأساسية وتوفرها أو غيابها من هذه

خيرة الشيباني

تمدني معينتي المنزلية، ذات الأربعة أطفال والزوج العاطل عن العم، في هذه الفترة، بالأخبار الحقيقية لأسعار المواد الأساسية وتوفرها أو غيابها من هذه الأسواق أو تلك، وتضطر هذه السيدة المكافحة التي تنتقل للعمل يوميا بين الأحياء الراقية، التي لم تعد راقية، إلى تعديل خريطة بحثها اليومي عن الخبز والسميد والسكر والزيت النباتي المُدعم، وغيرها من المواد الأساسية التي تكفل لها ولأسرتها الكفاف.

ليست وحدها هذه السيدة التي تعيش هذه الرحلة المضنية للبحث عن الخبز ومواد التموين الأخرى، فقد أصبح التونسيون يعيشون على وقع أخبار الطوابير الطويلة أمام المخابز وأخبار ارتفاع سعر مادتهم الأساسية وانقطاع المواد الأخرى من المحلات التجارية..

كذلك لا حديث في البرامج السياسية للإذاعات والتلفزيونات وعلى شبكات التواصل الاجتماعي، إلا عن هذا الواقع الذي لم يسبق للتونسيين أن عاشوه، حتى أثناء ثورة الخبز لسنة 1984، حيث حسم الزعيم الراحل الحبيب بورقيبة الأمر خلال ساعات بأن أعاد للخبز تسعيرته السابقة.

كما جعل الرئيس قيس سعيد حديث اختفاء الطحين من الأسواق، وبالتالي عُسر الحصول على الخبز موضوعا أساسيا في لقاءاته مع المسؤولين التونسيين ولاجتماعات مجلس الوزراء، التي يحرص على رئاستها، منددا بالمحتكرين والمضاربين وبأولئك الذين يرومون ”تجويع الشعب“، في إشارة واضحة إلى حركة النهضة وأنصارها الذين لم يظلوا مكتوفي الأيدي، بعد أن غيبتهم حركة 25 يوليو من المشهد السياسي وفقدوا امتيازاتهم، فتحركوا لتأجيج غضب المواطنين ضد الحكومة الحالية.

وزيادة في طمأنة المواطنين، إلى أن مسالك توزيع المواد المدعمة من طرف الحكومة، منذ بدايات الاستقلال، قد عادت إلى نسقها العادي، قام الرئيس سعيد بزيارة فجائية لمخبز بأحد الأحياء الشعبية، ولكنه فوجئ بدوره وحسب عبارته ”أن هنالك فرقا بين الواقع وما تبثه نشرات الأخبار“، لذلك دعا وزارتي التجارة والداخلية إلى تكثيف حملات المداهمة لمخازن التجار وأصحاب المصانع، وقد كشفت هذه المداهمات عن العديد من المخازن المنظمة والعشوائية التي تُخبأ فيها آلاف الأطنان من المواد المدعمة قصد المضاربة بها وتهريبها أيضا إلى البلدين المجاورين.

ولئن حولت مشاهد حجز هذه المواد بما فيها غير الصالحة للاستهلاك البشري، إلى حد ما، نقمة التونسيين إلى هؤلاء المضاربين بدلا من أن تنصب على الحكومة وحدها، فإن العديد من تجار الجملة والمصانع، وعلى رأسهم صاحب أحد أهم مصانع إنتاج الكسكسي والمعكرونة والمعجنات الأخرى، والذي تصل منتجاته إلى السوق الأفريقية والأمريكية، فضلاً عن الأوروبية، قد عبروا عن استيائهم من التعرض لهذه المداهمات وحجز بضائعهم التي كانت معدة للتوزيع بالسوق الداخلية أو الخارجية..

كما أكدوا أنه من الطبيعي أنه تكون لتجار الجملة والمصانع مخازن تُحفظ بها سلعهم إلى حين تسويقها، كما طلب رئيس الاتحاد العام التونسي للشغل من الجهات الرسمية الاعتذار عن هذه الممارسات التي طالت أصحاب أعمال وطنيين وتشويه صورتهم لدى الرأي العام وتقِرنُها بالمهربين الخارجين عن القانون.
وكدليل عما سماه البعض ”هستيريا المُداهمات“ وعدم الإعداد الكافي لفرق التفتيش التابعة للوزارتين المعنيتين، نشرت وسائل الاتصال الاجتماعي صورا لبائع فطائر يعرض فاتورة شرائه مائتي كيلو من السميد، بعد أن حُجزت لديه، مؤكدا أنه كان يُعدها لتجهيز زلابيا رمضان.. واستقبل الرئيس سعيد سيدة اشتكت من تغريمها ستين دينارا، بعد حجز كيس سميد اقتنته دون فاتورة قصد صنع خبز تقليدي.

بيد أن معالجة أزمة الخبز في تونس وبقية المواد الأساسية الأخرى أعمق من أن تُحل بالطريقة التي تُدار بها الآن، وبتبديد طاقات الرئيس بالحديث عن ”مؤامرة “ تستهدف خبزة الشعب؛ فالاقتصاد التونسي يعيش أزمات اقتصادية هيكلية عميقة تضاعفت بعد الثورة..

ومع أزمة كوفيد، وهو يشكو من غياب إصلاحات شاملة للمنظومة التعليمية والصحية والتشغيلية المتردية، وقد كانت فخرا للتونسيين، والتي تجعل الآلاف من الكوادر ذات الكفاءة العالية تغادر تونس بحثا عن ظروف عمل أفضل، ومن إهدار موارد الدولة بسبب غياب الحوكمة والمحاسبة وغياب نظام جبائي عادل، وبغياب سياسات للتنمية واضحة تشترك في وضعها كفاءات تونسية مُغيبة عن دوائر القرار وجهات لا تصل أصواتها إلى هذه الدوائر..

والأهم من كل هذا ضعف ثقافة العمل وإنتاج الثروة، إما بسبب عدم توفر مناخات تشجع على ذلك أو بسبب ضعف هيبة الدولة والتراخي في المحاسبة، بعد أن طغى البُعد السياسي على الأبعاد الأخرى على جميع مستويات إدارة الشأن العام بتونس.

صحيح أن تونس لم تعد مطمورة روما منذ أمادٍ طويلة، ولكن تونس، قبيل الاستقلال، كانت توفر لأبنائها حوالي خمسة وسبعين بالمئة من حاجيات أبنائها من القمح الذي يعتمد عليه التونسيون في أكلهم اليومي، وقد تقلصت هذه النسبة إلى ما يعادل الخمس عشرة بالمئة اليوم للأسباب التي ذكرناها ولغيرها من الأسباب، وقد زادت الحرب على أوكرانيا الوضع تأزما في ظل اقتصاد هش لدولة مثقلة بالديون.

لن تكفي وعود وزيرة التجارة المواطنين التونسيين أن البريك بالبيض سيكون حاضرا على موائدهم خلال شهر رمضان، لأن تبعث الأمل في نفوس التونسيين، فحاجيات التونسيين أعمق من ذلك وأكثر إلحاحا، وأمامي قائمة نشرتها هيئة الصيادلة تقول إن حوالي ألف دواء غير متوفر بالسوق التونسية، ثم أن موسم الحصاد ما زال بعيدا وخزائن الدولة شبه فارغة.. ولا حَبَّ تنقره طيورنا.

هذا المقال يعبر عن رأي الكاتب ولا يعكس بالضرورة وجهة نظر شبكة إرم نيوز

حمل تطبيق إرم نيوز على هاتفك