اتجاهات

ذات كباب مع الأستاذ صباح فخري (2 من 3)

بلال فضل

بلال فضل

كاتب وسيناريست

+A -A
تاريخ النشر: 10 مارس 2022 8:10 GMT

بلال فضل حين التقيتُ بالأستاذ صباح فخري في ليلة الكباب التي دعانا إليها الأستاذ محمود عوض، كان في بدايات تحوله إلى موضة في مصر، خصوصاً بعد أن أنشئت جمعية محبي

بلال فضل

حين التقيتُ بالأستاذ صباح فخري في ليلة الكباب التي دعانا إليها الأستاذ محمود عوض، كان في بدايات تحوله إلى موضة في مصر، خصوصاً بعد أن أنشئت جمعية محبي صباح فخري في عام 1997، وبدأ يغني سنوياً في مهرجان الموسيقى العربية بدار الأوبرا في حفلات تنفد تذاكرها فور الإعلان عنها..

وكان في غاية السعادة بذلك، لأن علاقته بمصر ظلت مضطربة منذ البداية، قبل حتى أن تتوتر العلاقات السياسية بين مصر وسوريا، وتتبعها المقاطعة الفنية الغبية التي أخّرت وصول فنه لمستحقيه في مصر لسنوات طويلة.

ستجد دليلاً على ذلك في ما نشرته صحيفة (الأخبار) القاهرية في مارس 1970 في مقال للكاتب إبراهيم يونس تساءل فيه: ”هل تصدق أن مطرباً عربياً يقدم تراثنا الفني الأصيل منذ أكثر من عشرين عاماً، وألحانه وأغانيه يرددها الشعب العربي في الأردن وسوريا ولبنان والعراق، ونحن لا نعرف عنه شيئاً ولم تقدم له إذاعتنا لحناً واحداً“.

وأضاف الكاتب أنه سمع من أصدقاء صباح فخري في القاهرة أنه يتمنى زيارة القاهرة، لأنه زار العواصم العربية كلها ما عدا القاهرة، وهي أمنية لم تتحقق إلا بعد ثلاث سنوات حين نشر إبراهيم يونس في (الأخبار) مقالاً بعنوان (مطرب سوريا الأول ونقيب فنانيها يزور القاهرة)، أشار فيه آسفاً إلى أن مصر أغلقت آذانها أمام صباح فخري برغم دراسته لتراثها الفني..

وفي إشارة إلى أن غيابه عن القاهرة كان لأسباب سياسية مرتبطة بالانفصال المرير الذي حدث بين مصر وسوريا بعد وحدة كان يفترض ألا ”يغلبها غلاب“، تحدث الكاتب عن نجاح الحفلة التي أقامها صباح فخري في جامعة القاهرة بمصاحبة فرقة عبد الحليم نويرة، وحرص على ربط ذلك النجاح بـ ”ثورة التصحيح“ الساداتية وذكراها الثانية التي حلت في مايو 1973 موعد قيام الحفلة.

حين ذهب الكاتب الكبير راجي عنايت إلى دمشق بعد الحفلة بفترة، حاول أن يجري حواراً مع صباح فخري، لكنه عرف أنه معتزل للحياة العامة عقب تعرضه لمحنة شخصية هي وفاة زوجته وأم أولاده، عاد بعدها إلى مدينته الأم حلب وأغلق أبوابه على نفسه، لكن راجي التقاه بعد ذلك بشهور في زيارته التالية له إلى القاهرة ووصفه بأنه ”شاب قصير أنيق مفعم بالحيوية التي لا يمكن أن تستدل منها على عمره بغير الرجوع للوثائق الرسمية“.

حين سأله راجي عنايت عن سر عدم تعرف الجمهور المصري عليه لفترة طويلة قال صباح فخري إنه لا يجد تفسيراً لذلك وإن كرامته منعته من المجيء إلى القاهرة دون دعوة رسمية، لكنه فاجأ راجي بأنه زار القاهرة سنة 1948، وكان لديه وقتها حوالي 15 سنة، ومن بعدها لم توجه له الدعوة برغم شهرته في الدول العربية بل ولدى عرب المهجر الذين أحيا لديهم حفلات ناجحة كثيرة، كان أشهرها حفلته في فنزويلا عام 1968 التي حصل فيها على رقمه القياسي في الغناء لعشر ساعات متواصلة.

ما عرفته من حديثي مع الأستاذ صباح فخري أن زيارته الأولى إلى مصر كان وراءها عازف الكمان الأشهر سامي الشوا الذي كان يحمل لقب أمير الكمان، والذي كان يعتز بكونه من أصل حلبي، وحين زار حلب في نهاية عام 1947 ليعزف وسط أهل مدينة أجداده، استمع إلى صباح في سهرة حلبية وأعجب به لدرجة أنه قرر أن يصحبه لكي يغني في حفلاته في حلب وحماة وحمص ودمشق، وأطلق عليه اسما فنيا هو (محمد صباح)، ثم طلب من أهله أن يسمحوا لصباح بالذهاب معه إلى مصر التي سيصبح فيها أهم صوت عربي على الإطلاق، وتعهد لهم أنه سيعرفه على كبار الملحنين والشعراء في مصر، ورضخت العائلة لضغوط الكثير من المقربين الذين قالوا إن هذه الفرصة ربما لا تأتي مرة ثانية.

كان يمكن أن تكون إقامة صباح في مصر طويلة كغيره من المطربين والمطربات العرب، لولا أن ساق له القدر الزعيم والسياسي فخري البارودي الذي كان من محبي الفن والأدب الكبار، والذي انبهر بصوت صباح حين سمعه وقال لمن حوله إن هذا الشاب لو زار مصر فلن يرجع إلى سوريا مثلما حصل لغيره، ولا يمكن أن تفرط سوريا بصوت كهذا، ولذلك وعد الأسرة بتبني صباح فنياً طول حياته، وعرض على الأسرة انتساب صباح لمعهد الموسيقى العربية مقابل أن يقدم حفلاً بالإذاعة السورية كل أسبوع لقاء أجر قدره 250 ليرة شهرياً.

وكما يروي الأستاذ صميم الشريف في تأريخه المهم لحياة (أعلام الموسيقى في سوريا)، فضّلت العائلة قبول العرض البارودي الذي يبقي صباح قريباً منهم، وبرغم رغبة صباح في السفر إلى مصر إلا أنه امتثل للقرار واكتفى برحلة سياحية إلى مصر، لتنجح حفلاته في الإذاعة السورية نجاحاً ساحقاً، لكنه لم يعد (محمد صباح)، بل أصبح صباح فخري تقديراً لفضل داعمه الأول فخري البارودي.

بعد سنوات قليلة من بداية تعرف الجمهور المصري على صباح فخري، حصل الشقاق الحاد ما بين مصر وسوريا على خلفية المواقف السياسية التي تلت حرب أكتوبر والمفاوضات بين مصر وإسرائيل، وأصبح من الممنوع على صباح فخري أن يأتي للغناء في مصر، وحتى حين ترك منصب نقيب الفنانين لم يكن بمقدوره ولا بمقدور غيره أن يتصرف باستقلالية عن الخط السياسي للدولة.

حين بدأ تحسن العلاقات بين مصر وسوريا في منتصف الثمانينيات، وبدأت الصحافة المصرية تحتفي بتجربة دريد لحام ومحمد الماغوط المسرحية والسينمائية، ورّطت صحيفة (تشرين) الرسمية صباح فخري في أزمة إعلامية على المستوى العربي حين نشرت حواراً معه قال فيه إن ”عبد الوهاب وفريد الأطرش والرحبانية فتحوا الباب لتشويه الموسيقى العربية“، ولم يقرأ الكثيرون من مهاجميه نص الحوار الذي قال فيه للمحررة إنه يحب هؤلاء الأساتذة ويقدرهم لكنه فقط يعترض على استخدامهم للآلات الغربية في التعبير عن النغمات الشرقية.

كان صباح فخري قد هاجم الرحبانية في نفس الحوار واتهمهم بصناعة مزيج مشوه وممسوخ بين الموسيقى العربية والغربية، وقال إنهم لطشوا منه لحن أغنية (يا من يحن إليك فؤادي)، ولحن (اذكريني كلما الطير شدا)، لكن هجوم الصحافة اللبنانية عليه لم يكن عنيفاً مثل هجوم الصحافة المصرية التي اعتبرت أنه تطاول على محمد عبد الوهاب، مع أن علاقة صباح فخري بعبد الوهاب كانت رائعة..

وكان عبد الوهاب يحب الاستماع إلى صوته في جلساته الخاصة حين يذهب للتصييف في سوريا كل عام، وطبقاً لما رواه لي فقد كان عبد الوهاب يثني بالتحديد على ”قفلاته الغنائية الحرّاقة اللي ما تجيش بسهولة للمطربين“، ووعده عبد الوهاب بأن يلحن له قصيدة اختارها من كلمات الشاعر التونسي أبي القاسم الشابي لكن المشروع الواعد لم يكتمل مع الأسف.

ظلت علاقة صباح فخري بمصر وجمهورها منقطعة حتى نوفمبر 1995، حين دُعي للغناء في المهرجان الرابع للموسيقى العربية، وحققت الحفلة نجاحاً كبيراً فاجأ منظمي المهرجان وفاجأ الصحافة الكسولة التي انهال عليه بعض ممثليها بأسئلة سخيفة وطافحة بالاستعلاء من عينة ”لماذا لم تأتِ إلى مصر مبكراً لكي تحصل على الشهرة“..

وتحلى صباح فخري بضبط النفس في الرد وقال إنه يوجه هذا السؤال للإعلام المصري ومسؤوليه لأنه يعتقد أنه لم يساهم أحد في الوطن العربي في حفظ التراث الموسيقي المصري الذي أبدعه سيد درويش وكامل الخُلَعي ومحمد عثمان وداود حسني مثلما فعل هو بدرجة تفوق ما قدمه المطربون المصريون لتراثهم، ومع أنه كان محقاً في ما قاله من عتاب ونقد، فقد كانت إجاباته تتعرض للابتسار والتشويه بشكل آلمه وجعله حذراً في التعامل مع الصحفيين.

حين التقيت الأستاذ صباح بعد ثلاث سنوات من نجاح حفلاته في دار الأوبرا، كان يشكو من أن التسجيلات التي أهداها للإذاعة المصرية لم تكن تذاع بشكل يليق به، حتى في إذاعة (صوت العرب) التي كان يُفترض أن تحتفي بتجربته الفنية، وحتى حفلات دار الأوبرا التي كان التلفزيون يصورها لم تكن تذاع إلا في الأوقات الميتة أو التي تنتظر الموت، لكن ذلك لم يدفع صباح فخري لليأس وظل حريصاً على التردد على القاهرة أكثر من مرة في العام.

بفضل دأبه تحولت حفلاته إلى موضة، خصوصاً حين انكسرت زهوة ما كانت الصحافة تطلق عليه وقتها ”الأغنية الشبابية“، وبدأ علو موجة النوستالجيا والحنين إلى الزمن الجميل، ليتضح أن الجمهور أكثر تنوعاً وتركيباً من محاولة حشره في خانات سابقة التجهيز..

وهذا بدليل أن الشباب كانوا يقبلون على حضور حفلات صباح فخري التي كان يقدم فيها حالة من البهجة والمتعة خصوصاً حين يبدع في رقص السماح المصاحب لأغانيه، وهو ما كسر الحاجز الموجود بين بعض الشباب والغناء التراثي، ليفتح صباح فخري الباب لمطربين عرب كثيرين تخصصوا في الغناء التراثي، بل ويشجع عدداً من المطربين الناجحين على تقديم حفلات في مهرجان الموسيقى العربية يقدمون فيها مزيجاً بين الأغاني الحديثة والقديمة، لكن أياً منهم لم يكن يحقق درجة الإمتاع التي كان صباح فخري يوصل إليها جمهوره المتزايد حفلة بعد حفلة.

نختم الأسبوع القادم بإذن الله.

هذا المقال يعبر عن رأي الكاتب ولا يعكس بالضرورة وجهة نظر شبكة إرم نيوز

حمل تطبيق إرم نيوز على هاتفك