اتجاهات

ملامح روسيا الاتحادية بين روزنامة بوتين.. وناسك الشخروب

كاتي يمّين

كاتي يمّين

+A -A
تاريخ النشر: 09 مارس 2022 7:20 GMT

كاتي يمّين يحفل تاريخ البشرية بالصراعات والحروب التي خلّفت ملايين الضحايا، وقد قُدِّر على لبنان الذي أنجب المفكرين والأدباء أن يكون بين الدول التي لم تشهد يوماً

كاتي يمّين

يحفل تاريخ البشرية بالصراعات والحروب التي خلّفت ملايين الضحايا، وقد قُدِّر على لبنان الذي أنجب المفكرين والأدباء أن يكون بين الدول التي لم تشهد يوماً سلاماً واستقراراً مستدامين، حيث ذُكرت الحروب والنزاعات التي مرّت على هذا الوطن في مئات الكتب بأقلام لبنانية وأجنبية.

ونشهد اليوم حرباً بين روسيا وأوكرانيا، تذكّر بخطورتها بالحربين العالميتين اللتين دمرّتا العالم، ولربما كان يمكن لهذا الصراع أن يحل بالدبلوماسية عوضاً عن النار والدم ونحن في القرن الواحد والعشرين..

الأديب والمفكر اللبناني ميخائيل نعيمة، أحد رواد النهضة الأدبية والفكرية الملقب بـ“ناسك الشخروب“، نظراً لاعتزاله الناس وتفرغه للكتابة والقراءة على تلة تُدعى الشخروب قرب بلدته بسكنتا، كان يحب الشعب الروسي وقد تلقى دراساته العليا في الاتحاد السوفييتي..

قال نعيمة ذات يوم في إحدى مقارباته حول رواية ”الحرب والسلام“ لعميد الأدب الروسي ليو تولستوي ما حرفيته: ”إنّ الروح الروسية تتطلع دائماً صوب المحبة والاستقرار، وعدم مقاومة الشر بالشر، والبحث عن النظام في الفوضى، وعن الحياة في الموت“.

هذا القول يدعونا للتأمل ونحن في خضم الجدل المتواصل في بعض الأوساط حول تقييم أبعاد الحرب الروسية الأوكرانية، وفي الوقت الذي يُثار فيه جدل آخر، في الأوساط نفسها، حول تحديد قيمة الإنجازات المسجلة لصالح الرئيس فلاديمير بوتين، داخلياً وخارجياً، منذ تسلّمه مقاليد الحكم، مع حلول لحظة الانعطاف التاريخية بين القرن العشرين والقرن الحادي والعشرين.

ولربما يمكن القول هنا إن أي حديث عن رمزية منتصف ليلة الحادي والثلاثين من شهر كانون الأول \ ديسمبر العام 1999، على طول خريطة العالم وعرضها، لا يمكن أن يُقارن، من حيث الأهمية، مع رمزية الحديث عما تعنيه هذه المناسبة في الذاكرة الروسية بالتحديد.

في تلك الليلة، أقدم الرئيس (الراحل) بوريس يلتسين على خطوة جريئة إثر تقديم استقالته من منصبه، وتسليم سدة الرئاسة لمن وصفه بأنه ”خليفته المختار“ للولوج بروسيا إلى الألفية الثالثة.

لم يكن اسم فلاديمير بوتين ذائع الصيت آنذاك لدى عامة الناس، بسبب متطلبات شخصيته الغامضة التي اكتسبها أثناء عمله في أعتى مدرسة استخباراتية في العالم، أي جهاز الـ“كي جي بي“ السوفييتي العتيق.

بيد أن ذلك لم يحُل دون إقدام الناخبين الروس على التصويت لصالحه، في مثل هذا الشهر من العام 2000، بنسبة 53 في المئة، ليتحول حينذاك من رئيس بالإنابة (بحسب إعلان يلتسين) إلى رئيس منتخب.

ويعرف المتابعون للشؤون الروسية أن أول تصريح أدلى به بوتين، في أعقاب الإعلان عن فوزه في الانتخابات، جاء فيه أنّ ”روسيا الاتحادية دولة ما زالت تمتلك الكثير من عناصر القوة، وهي ترغب في استخدامها مع الآخرين، وليس ضدهم، من أجل بناء عالم متعدد الأقطاب“.

كان هذا التصريح موجهًا، بالدرجة الأولى، إلى الولايات المتحدة الأمريكية دون سواها، أملًا في جس نبض إدارة رئيسها (حينذاك) بيل كلينتون لمعرفة ما إذا كان البيت الأبيض يرغب فعلاً في تكوين شراكة أمريكية – روسية لبناء عالم متعدد الأقطاب.

ولكنّ ما حدث هو أن شهراً واحداً لم يكد يمر على تصريح بوتين حتى أعلن البيت الأبيض اعتزامه إقامة ما سُمي بـ“منظومة الدفاع الأمريكية ضد خطر الصواريخ الباليستية“.

وبعد شهرين، أي في حزيران \ يونيو العام 2000، وصل الرئيس كلينتون إلى موسكو لعقد أول لقاء قمة مع نظيره الرئيس بوتين.. وكانت قمة باردة أعادت إلى الأذهان أجواء الحرب الباردة بين الجباريْن.

لماذا؟ لأن الرئيس كلينتون وقف أمام مجلس الدوما الروسي ليقول ما حرفيته: ”أنتم اختلفتم معي في يوغسلافيا وأنا أختلف معكم في الشيشان“.

ويعرف المتابعون للشؤون الروسية أنّ لا يوغسلافيا ولا الشيشان كانتا تهمان كلينتون بقدر ما كان يهمه الرد على ”الإهانة“ التي تعرّض لها، قبل ساعات قليلة من مغادرته برلين متوجها الى موسكو، وذلك عندما اتصل المستشار الألماني (السابق) غيرهارد شرودر بالرئيس بوتين ليسأله عن نوعية الهدية التذكارية التي تليق بالرئيس الأمريكي، فأجابه بوتين بالقول: ”قدّم له سيجارًا كوبيًا“.. وهذا ما حدث بالفعل.

وإذا كان الرئيس الروسي قد عاصر على مدى الأعوام الـ22 الماضية كلاً من الرؤساء الأمريكيين بيل كلينتون، وجورج دبليو بوش، وباراك أوباما، ودونالد ترامب، وحالياً جو بايدن، من دون أن يتراجع عن شروطه التي وضعها قبل ما يزيد عن العقدين من الزمان بخصوص إقامة عالم متعدد الأقطاب، فإنّ الحرب الأوكرانية الراهنة من شأنها أن تُعيد قلب موازينه رأسًا على عقب، اليوم أو غدًا، أو ربّما حتى انتهاء ولايته الرئاسية في العام 2024..

وهنا تكمن كلمة السر للجدل المتواصل بحدة حاليًا حول طبيعة مستقبل روسيا بعد ذلك. وربّما هنا أيضا تتقلب حاليًا صفحات روزنامة الرئيس بوتين.

هذا المقال يعبر عن رأي الكاتب ولا يعكس بالضرورة وجهة نظر شبكة إرم نيوز

حمل تطبيق إرم نيوز على هاتفك