اتجاهات

سوريا.. معارك الحياة بعد هدوء الجبهات
تاريخ النشر: 14 يناير 2022 14:30 GMT
تاريخ التحديث: 14 يناير 2022 17:40 GMT

سوريا.. معارك الحياة بعد هدوء الجبهات

إبراهيم حاج عبدي  مع هدوء الجبهات في سوريا، وتراجع وتيرة المعارك بعد مرور أكثر من عشر سنوات على الأزمة، بدأ "أنين الجياع" يتصاعد في مؤشر على عمق المأساة

+A -A

إبراهيم حاج عبدي 

مع هدوء الجبهات في سوريا، وتراجع وتيرة المعارك بعد مرور أكثر من عشر سنوات على الأزمة، بدأ ”أنين الجياع“ يتصاعد في مؤشر على عمق المأساة السورية، وفاتورتها الباهظة التي لا يزال السوريون يسددونها من أعمارهم وأحلامهم وآمالهم وبـ“بطون خاوية“، قسرا، وليس ”إضرابا طوعيا عن الطعام“، كما هو شائع في الأدبيات الفلسطينية، على سبيل المثال.

ورغم أن نشرات الأخبار لم تعد تحصي أرقام الضحايا، كما كان الحال في سنوات الأزمة الأولى، غير أن ذلك لا يعبر عن تحسن أو تقدم في المسار الدبلوماسي المتعثر، فالجراح السورية لا تزال تنزف، ذلك أن الحروب لا تنتهي بمجرد إسكات صوت المدافع، وعودة الجنود والمحاربين إلى الثكنات، بل إن تداعياتها الإنسانية والمعيشية والنفسية تتواصل على نحو أكثر قسوة من فصول الحرب نفسها.

ولا يمر يوم دون أن نسمع أو نرى تقارير وصورا ومقاطع فيديو تظهر الشكاوى المريرة الصادرة من نخب فنية وثقافية وإعلامية وحقوقية حيال الوضع المعيشي البائس، ناهيك عن أصوات شاكية، من مختلف شرائح المجتمع، تتحدث عن معاناتها في تأمين أبسط مقومات العيش من الخبز إلى الرز والسكر والطحين ووقود التدفئة وصعوبة المواصلات وانقطاع الكهرباء والإهمال الصحي والتعليمي، وغير ذلك من الخدمات والمقومات الأساسية للعيش.

واللافت أن الشكاوى لم تعد تقتصر على معارضي الحكومة، الذين ربما يسعون لـ“تسييس“ الحالة الإنسانية عبر المبالغة في تصوير قتامة المشهد، بل انضم المؤيدون كذلك إلى قائمة الغاضبين والناقمين على الأوضاع المعيشية، وهو ما يعني ببساطة أن الوضع لم يعد يطاق، ويحتاج إلى حلول إسعافية، وهي غائبة في ضوء المعطيات الحالية.

ولعل المؤشر الأبرز على معاناة السوريين يعكسه سعر صرف الدولار الأمريكي، ففي حين كان الدولار يعادل 50 ليرة سورية، قبل الأزمة، فقد ارتفع تدريجيا، ليبلغ سعره الآن نحو 3600 ليرة سورية، مع ما يعني ذلك من ارتفاع جنوني في أسعار السلع، وتراجع حاد في القوة الشرائية للعملة المحلية، وهو ما دفع خبراء الاقتصاد إلى وصف الأوضاع المعيشية والإنسانية في سوريا بـ“الكارثية“.

صفة ”الكارثية“، هنا، ليست مجرد مبالغة لغوية مجانية، وإنما تعبير صادق، للأسف، عن واقع قائم عبر عنه الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريس في تقريره الأخير الذي حوى أرقاما صادمة بشأن الوضع المعيشي في سوريا، إذ أبلغ غوتيريس مجلس الأمن في جلسة عقدت هذا الأسبوع، أن 90 في المئة من السوريين يعيشون ”في فقر“ و60 في المئة منهم يعانون من ”انعدام الأمن الغذائي“، إضافة إلى افتقار 7.78 مليون إلى الرعاية الطبية المستوفية للمعايير الدنيا المقبولة عالمياً“.

وأضاف غوتيريس في تقريره، الذي استند إلى معلومات الأمم المتحدة وبيانات الوكالات الإنسانية والجهات الشريكة ولقاءات في دمشق وغازي عينتاب وعمان، أن نحو 9 ملايين سوري يعيشون ”في مناطق لا تخضع لسيطرة الحكومة السورية، بينهم 5.6 مليون بحاجة إلى مساعدات إنسانية“.

بهذا المعنى، فإن الوضع الإنساني البائس لا يقتصر على منطقة سورية دون أخرى، بل تشمل مناطق النفوذ الثلاث، وهي المناطق الخاضعة لسيطرة الحكومة، والمناطق التي تسيطر عليها تركيا والفصائل المسلحة الموالية لها في شمال وشمال غرب سوريا، فضلا عن المناطق الخاضعة لسيطرة قوات سوريا الديمقراطية، المدعومة من واشنطن، في شمال شرق سوريا.

وخرائط النفوذ الثلاث هذه، التي حافظت على ثباتها منذ نحو عامين، والتي يجمعها الفقر والفوضى والقلق، هي، بحد ذاتها، انعكاس صارخ لتعقيدات الملف السوري، الذي بات مرهونا لأجندات خارجية متعددة تغلق باب الأمل أمام أي حل سياسي قريب يخفف معاناة السوريين الذين فر الملايين منهم إلى خارج البلاد، فيما نزح آخرون من مناطقهم الأصلية داخل البلاد، إضافة إلى قائمة طويلة من الضحايا والمعتقلين والمفقودين.

ورغم أن ما سمي بـ“الربيع العربي“ الذي استحال ”خريفا داميا“، شمل عدة دول عربية، غير أن نصيب سوريا من المأساة كان أكثر حدة وعنفا، فقد تشظت الجغرافيا السورية إلى جزر ومناطق نفوذ متنافرة، وعصفت بالمجتمع السوري أهوال شتى، فيما تتصارع خمسة جيوش على المسرح السوري: تركيا وروسيا وإيران وأمريكا وإسرائيل، ناهيك عن مئات الميليشيات والمجاميع المسلحة التي تحارب بـ“بنادق مأجورة“.

ليست هناك وصفة سحرية قادرة على انتشال السوريين من محنتهم، كما أن فيض التحليلات السياسية بشأن سوريا ليس سوى ثرثرة واستعراض ”لا يسمن ولا يغني من جوع“، ومن يراجع أرشيف الفضائيات سيكتشف ”خطل“ تلك التحليلات التي عجزت عن استشراف ما آلت إليه الأوضاع من فقر وبؤس وفوضى يدفعنا إلى الاستعانة بقصيدة ”تنويمة الجياع“ للجواهري، الذي لم يجد سبيلا إلى مواساة فقراء بلاده سوى الهجاء المرير الذي يجعل ”ضيق ذات اليد“ محتملا في المنام، فحسب:

نامي جياعَ الشَّعْبِ نامي/ حَرَسَتْكِ آلِهة ُالطَّعامِ
نامي فإنْ لم تشبَعِي/ مِنْ يَقْظةٍ فمِنَ المنامِ
نامي على زُبَدِ الوعود/ يُدَافُ في عَسَل ِ الكلامِ
نامي تَزُرْكِ عرائسُ الأحلامِ/في جُنْحِ الظلامِ
نامي شَذَاةَ الطُّهْرِ نامي/ يا دُرَّةً بينَ الرُّكَامِ

هذا المقال يعبر عن رأي الكاتب ولا يعكس بالضرورة وجهة نظر شبكة إرم نيوز

حمل تطبيق إرم نيوز على هاتفك