اتجاهات

"لغة إذا وقعت على أسماعنا.."

إبراهيم حاج عبدي

إبراهيم حاج عبدي

كاتب ومحرر أخبار رئيسي في موقع إرم نيوز

+A -A
تاريخ النشر: 19 ديسمبر 2021 9:54 GMT

إبراهيم حاج عبدي مرَّ اليوم العالمي للغة العربية، كما كان متوقعا، مرور الكرام، وربما القلائل مثلي، ممن ليست العربية لغتهم الأم، يحاولون "ضمها" ورد الاعتبار لهذه

إبراهيم حاج عبدي

مرَّ اليوم العالمي للغة العربية، كما كان متوقعا، مرور الكرام، وربما القلائل مثلي، ممن ليست العربية لغتهم الأم، يحاولون ”ضمها“ ورد الاعتبار لهذه اللغة التي تُرتكب بحقها ”مجازر يومية“ على منصات السوشال ميديا والفضائيات، حتى تحولت إلى ”رطانة هجينة“ رغم ميزاتها البلاغية والتعبيرية والجمالية التي اختزلها حديث منسوب للرسول: ”إن من البيان لسحرا“.

ويصادف اليوم العالمي للغة العربية الثامن عشر من ديسمبر، وهو اليوم الذي أصدرت فيه الأمم المتحدة في العام 1973 قرارا اعتمدت بموجبه إدخال اللغة العربية ضمن اللغات الرسمية للمنظمة الأممية.

وثمة أمثلة لا تحصى عن جماليات اللغة العربية التي تعد من اللغات القليلة التي تكتب من اليمين إلى اليسار، وتحوي مرادفات لا مثيل لها في لغات أخرى. ولعل ما قاله المفكر الفلسطيني الراحل إدوارد سعيد، يعد مثالا جيدا في هذا السياق، لكونه ابتعد عن لغته في مرحلة مبكرة، وصار يكتب بالانكليزية، لكنه بقي متعلقا بحروف العربية، لا بالمعنى العروبي القومي الضيق، بل بالمعنى الجمالي والحضاري الأرحب، إذ يقول إن ”اللغة العربية من أروع ما ابتدعه العقل البشري، فهي لغة الشعر والتصوف والقانون والفكاهة ولغة إحدى الديانات العظيمة في العالم“، مشددا على أنها ”لغة رياضية مرنة للغاية“، وبهذا المعنى فإن الشاعر المهجري حليم دموس لم يبالغ عندما كتب في تمجيد العربية: لغـةٌ إذا وقعـتْ عـلى أسماعِنا/ كانتْ لنا برداً على الأكبادِ/ سـتظلُّ رابطـةً تؤلّـفُ بيننا/ فهيَ الرجـاءُ لناطـقٍ بالضّادِ.

بيد أن هذا الرجاء تحول إلى يأس، فاللغة العربية تشهد احتضارا مريعا، وإذا ما تجاوزنا الاحتفاء الخجول بيومها العالمي، فإن ثمة أدلة عديدة على تراجع الاهتمام بها، بل الاعتداء عليها من قبل ”فيالق من الحمقى“، وفق وصف أطلقه المفكر الإيطالي الراحل إمبرتو إيكو على رواد مواقع التواصل الاجتماعي.

أول أمثلة اللامبالاة تجاه هذه اللغة هو الخلط العشوائي بين العربية وإحدى اللغات الأجنبية، ففي إعلام وفضائيات الكثير من الدول العربية، تزاحم المفردات الانكليزية والفرنسية مثيلتها العربية، وهنا نكون إزاء لغة هجينة غير مفهومة، ناهيك عن النشاز الذي يطرأ على موسيقا الكلمات وسلاستها، ولا سيما أن العربية تتميز بثراء مفرداتها. فلا مبرر، والحال كذلك، لهذا الخلط سوى ”الاستعراض والوجاهة“، أو جراء الشعور بالدونية، كما يفسر بعض علماء السوسيولوجيا، قياسا إلى لغات حقق الناطقون بها تقدما، فيما بقي أبناء لغة الضاد عاجزين عن التطور، لعوامل يصعب حصرها.

وهنا، أذكر مثالا عن خبر ورد إلى بريد التحرير في ”إرم نيوز“ عن مشهورة سناب شات سعودية اسمها رهف القحطاني طالبت فيه بأن تسجل عبارة ”وذ نكهة“ (الخليط من الانكليزية والعربية) باسمها الحصري، وهددت بمقاضاة أي شخص يستعملها دون إذنها، فهي صاحبة السبق في نحت هذه العبارة ”وِذ نكهة“، عندما أطلت في فيديو وهي تطلب مشروبا من البائع: ”أبغاه وذ نكهة الفراولة“، فانتشرت هذه الجملة الركيكة كالنار في هشيم السوشال ميديا، بل تدافع بعض أصحاب الفعاليات الاقتصادية لاستعمالها بهدف الربح، رغم أن ثمة بديلا عربيا سهلا لها، وهو ببساطة ”مع نكهة“.

وعلى غرار ما تفعله رهف وقريناتها، ثمة خلط لكن في اتجاه آخر، وهو الجمع بين الفصحى والعامية على نحو يسيء إلى هذه وتلك، فالجمع بينهما يشوه بلاغة وسحر الفصحى، مثلما يربك الإيقاع التلقائي الرشيق للعامية. ورغم أن الحل سهل ويكمن في الاقتصار على هذه أو تلك، فإن ثمة إصرارا على الدمج الذي يفقد العامية عفويتها الراسخة في الوجدان، كما يحرم الفصحى من رصانتها المعهودة.

ما سبق قد يمثل دعابة بالقياس إلى خطر جوهري يهدد العربية من أساسها، وهو الجهل بقواعد هذه اللغة، وما عليك سوى القيام بجولة سريعة في الفضاء الإلكتروني لتكتشف كيف يتم رفع المجرور ونصب المرفوع وكسر الفاعل وتسكين المتحرك وتحريك الساكن، فضلا عن أخطاء إملائية ونحوية، ناهيك عن تراكيب وجمل وصياغات تبدو غاية في الركاكة وطارئة على لغة لها قواعد واضحة لا مجال للاجتهاد فيها، غير أن إتقانها يحتاج إلى جهد لا يبدو أن الجيل الحالي مستعد لبذله.

اللافت وسط هذه الركاكة اللغوية الطاغية، أن كتابا ومبدعين من غير العرب فتنوا بهذه اللغة، مثل الروائي والشاعر السوري الكردي سليم بركات، الذي لطالما تغنى محمود درويش ببلاغته اللغوية، وكان الأديب الأرجنتيني بورخيس يعتبر ”ألف ليلة وليلة“ من أعظم الآثار في الآداب الإنسانية كلها، وسعى لتعلم هذه اللغة. وثمة شخصيات من إيران وتركيا وروسيا وحتى أفغانستان وباكستان، تطل عبر الفضائيات وتتحدث لغة عربية صافية تثير الإعجاب، وتعيد إلى الأذهان واقعة أوردها، أخيرا، الصحافي اللبناني حازم صاغية، تفيد بأن النائب اللبناني الراحل إدوار حنين، وخلال سجال مع عروبيّين، قال: ”لنا العربيّة ولكم العروبة“.

وفي إحدى القمم العربية التي شارك فيها الرئيس العراقي الراحل جلال طالباني، خرجت تعليقات تقول إن طالباني ”الكردي“ هو الوحيد الذي أجاد إلقاء كلمته بالعربية دون أخطاء، بالمقارنة مع الزعماء العرب الآخرين الذين لا يقوون على تلاوة صفحتين مكتوبتين دون أخطاء فاضحة.

هذا المقال يعبر عن رأي الكاتب ولا يعكس بالضرورة وجهة نظر شبكة إرم نيوز

حمل تطبيق إرم نيوز على هاتفك