اتجاهات

فيلم "أميرة".. طعنة الفن الناعمة

إبراهيم حاج عبدي

إبراهيم حاج عبدي

كاتب ومحرر أخبار رئيسي في موقع إرم نيوز

+A -A
تاريخ النشر: 12 ديسمبر 2021 7:54 GMT

إبراهيم حاج عبدي لم تُتَحْ لي فرصة مشاهدة الفيلم الأردني "أميرة"، الذي أثار، بعد عرضه، أخيرا، في مهرجان أردني، موجة غضب واسعة، تجاوزت الفلسطينيين، لتشمل جموعا

إبراهيم حاج عبدي

لم تُتَحْ لي فرصة مشاهدة الفيلم الأردني ”أميرة“، الذي أثار، بعد عرضه، أخيرا، في مهرجان أردني، موجة غضب واسعة، تجاوزت الفلسطينيين، لتشمل جموعا هائلة من مناصري القضية الفلسطينية في العالم العربي، والتي رأت في الفيلم ”إساءة متعمدة“ لرمزية الأسير الفلسطيني، وما يمثله من معاني النضال والكفاح منذ سبعة عقود ضد إسرائيل وممارساتها القمعية.

لكن عدم مشاهدة الفيلم، لا يعني بالضرورة، الإحجام عن إبداء الرأي حياله، ذلك أن الغضب العارم انصب على فكرة الفيلم، والتي تم تداولها بشكل واسع في الإعلام ومواقع التواصل الاجتماعي، وهذا المقال يحاجج بالضبط في فكرة الفيلم، لا بنائه الدرامي وسرده البصري ومقترحاته الجمالية.

يناقش الفيلم _كما بات واضحا_ موضوعة غاية في الحساسية، وتتمثل في تهريب نطف الأسرى الفلسطينيين، ليتم تلقيحها، فيما بعد، في أرحام زوجاتهم عبر عملية أمنية وطبية معقدة، وهذا الإجراء يكاد يكون مقتصرا على الأسرى الفلسطينيين، ذلك أن أيًّا من حركات التحرر الوطنية _في حدود عِلمنا_ لم تلجأ إلى هذه الحيلة الفريدة والنبيهة.

إلى هنا تبدو الأمور عادية، بل ربما تستحق الإشادة بصنّاع الفيلم الذي كتبه وأخرجه المصري محمد دياب، غير أن سيناريو الفيلم يذهب بنا نحو تجاه آخر مختلف، فالفكرة لم تعد مسألة تهريب النطف، بل التشكيك فيها، عندما نكتشف أن النطفة المهربة الى زوجة أحد الأسرى هي نطفة جندي إسرائيلي، وقد أثمرت عن شابة جميلة اسمها ”أميرة“ (تارا عبود) التي عليها، الآن، أن تواجه قدرا أسود، بعد سنوات كانت تتباهى فيها بنضال والدها الأسير، وتعتبر مع قلة قليلة مثلها أنها جاءت إلى هذه الحياة بنطفة مهربة لوالدها الأسير، وما يعني ذلك من تشبثها بقضيتها، والوفاء لذكرى والدها السجين.

ورغم القناعة بضرورة المناداة دائما بحرية التعبير في الفنون، ومن بينها السينما، غير أن حكاية فيلم أميرة، الذي شارك في إنتاجه بضع دول عربية، ويلعب بطولته صالح بكري وصبا مبارك وعلي سليمان وتارا عبود، لا تخدم أحدا سوى الرواية الإسرائيلية التي احتكرت تاريخ فلسطين وهواءها وأرضها وثقافتها… بل إن التفوق الإسرائيلي، كما يريد قوله الفيلم، وصل إلى حد التلاعب بالنطف، وفي ذلك ”تشويه واضح“، عن عمد أو دونه، للتاريخ النضالي الفلسطيني.

ويبدو أن صناع الفيلم أدركوا أن فيلمهم ليس الوحيد الذي يتناول فكرة ”النطف المهربة“، فأرادوا اختلاق حكاية صادمة كنوع من الاختلاف والتمييز عن أعمال مماثلة، لكن ذلك جاء على حساب مشاعر آلاف الأسرى وذويهم.

يدافع صناع الفيلم عن عملهم بالقول إن الفيلم ”روائي متخيل“، وليس توثيقا، وهذه الذريعة تدينهم أكثر مما تعفيهم من المسؤولية حيال قضية عادلة، ذلك أن عدم التزامهم بالتوثيق، كان يفترض أن يحررهم من هاجس المساءلة المحتملة عن ما يتضمنه الفيلم، وأن يكون حافزا لهم لمعالجة هذا الموضوع بما يتناسب مع نباهة الفكرة وتجسيدها وفقا لما تمثله قضية الأسرى من ”قدسية“ في وجدان الفلسطينيين والمناصرين لقضيتهم، والحرص على مراعاة مشاعر ”أبناء النطف“، الجيل الفلسطيني القادم الذي يفترض أن يواصل نضال الأسلاف، والذين يلقبون بـ“سفراء الحرية“.

في السينما هناك دائما جانب ترفيهي، وميلودراما، وخفة وكوميديا، لكن ذلك لا يعني أنها فن دون رسالة، خصوصا إذا تعلق الأمر بمسارات قضية شائكة وحساسة في آن، كالقضية الفلسطينية، عندئذ على صناع فيلم من هذا النوع أن يتحلَوْا بالمسؤولية، فمثلما تستميت السينما الإسرائيلية في ”تشويه الحقائق“، وتتاجر مثلا بمسألة ”الهولوكوست“، حتى غدت هذه الأخيرة بمثابة مأساة غير مسبوقة، رغم مرور ما يقرب من ثمانية عقود على حدوثها، فإن السينما العربية أيضا، عندما تتناول الحق الفلسطيني، مطالَبة بأن تظهر ”التغريبة الفلسطينية“ بكل آلامها، حتى وإن تطلب الأمر نوعا من التقريرية والمباشرة والتلقين، وما أكثر المآسي التي تعرض لها الفلسطينيون عبر تاريخهم!، والتي يمكن تسليط الضوء عليها، دون الاضطرار إلى حرف الحقائق.

رغم كل ما تقدم، فإن المقال لا يدعو إلى مصادرة الفيلم ومنعه، ويدين كذلك سحب ترشيحه من قبل الهيئة الملكية الأردنية للأفلام من سباق الأوسكار لأفضل فيلم أجنبي، بل هو دعوة لنقده وإظهار قصوره المعرفي، وتشجيع تقديم أفلام ملتزمة، من شأنها إظهار الوجه الناصع للنضال الفلسطيني الذي وإن كان يعيش في وقتنا الحالي، ”كبوة“، لأسباب وعوامل يصعب حصرها في هذا المقال، غير أن ذلك لا يلغي مشروعيته، وعلى الفن أن يناصر هذا النضال، لا أن يقوضه عبر طروحات غريبة وصادمة.

هذا المقال يعبر عن رأي الكاتب ولا يعكس بالضرورة وجهة نظر شبكة إرم نيوز

حمل تطبيق إرم نيوز على هاتفك