د. أحمد بن قاسم الغامدي
د. أحمد بن قاسم الغامدي

عدم ثبوت قرآنية "الشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما"

عن ابن عباس قال: سمعت عمر يقول: قد خشيت أن يطول بالناس زمان حتى يقول قائل: ما نجد الرجم في كتاب الله فيضلوا بترك فريضة أنزلها الله، ألا وإن الرجم حق على من زنى إذا أحصن وكانت البينة، أو كان الحبل، أو الاعتراف؛ وقد قرأناها: "الشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما البتة"، وقد رجم رسول الله ورجمنا بعده.

أخرجه النسائي وغيره، وقد انفرد ابن عيينة عن الزهري بذكر أنها كانت آية في كتاب الله، وخالف سفيان في ذلك ثمانيةٌ من أصحاب الزهري وهم صالح بن كيسان، ويونس بن عبد الأعلى، وهشيم بن بشير، ومعمر بن راشد، ومالك بن أنس، وعبد الله بن أبي بكر بن حزم، وعقيل بن خالد، وسعد بن إبراهيم، فلم يذكروا أنها كانت آية في كتاب الله.

قال النسائي: لا أعلم أحدا ذكر في هذا الحديث: "الشيخ والشيخة فارجموهما البتة" غير سفيان، وينبغي أنه وهم.

وصرح ابن عيينة نفسه أنه لم يحفظ ذلك؛ ففي مسند الحميدي قال: (سمعته من الزهري بطوله، فحفظت منه أشياء، وهذا مما لم أحفظ منها يومئذ).

قلت: ويتبين بهذا أن قوله: "الشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما البتة" غير محفوظ من حديث عمر، كما أن إسناد هذا الحديث ضعيف فابن عيينة وشيخه الزهري موصوفان بالتدليس وكلاهما قد رواه بالعنعنة.

وقد ذكر مالك في "الموطأ" عن يحيى بن سعيد عن سعيد بن المسيب أنه سمعه يقول: لما صدر عمر من منى أناخ بالأبطح، ثم كوم كومة بعلجاء، ثم طرح عليها رداءه واستلقى، ثم مد يديه إلى السماء فقال: اللهم كبرت سني، وضعفت قوتي، وانتشرت رعيتي، فاقبضني إليك غير مضيع ولا مفرط. ثم قدم المدينة فخطب الناس، فقال: أيها الناس، قد سنت لكم السنن، وفرضت لكم الفرائض، وتركتم على الواضحة إلا أن تضلوا بالناس يمينا وشمالا، وضرب بإحدى يديه على الأخرى ثم قال: إياكم أن تهلكوا عن آية الرجم؛ أن يقول قائل: لا نجد حدين في كتاب الله، فقد رجم رسول الله ورجمنا، والذي نفسي بيده لولا أن يقول الناس: زاد عمر في كتاب الله لكتبتها: "الشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما البتة" فإنا قد قرأناها.

قلت: إسناد هذا الأثر ضعيف منقطع، لأن سعيد بن المسيب لم يسمع من عمر على الصحيح، كما أن داود بن أبي هند خالف يحي بن سعيد، فرواه عن سعيد بن المسيب عن عمر، ولم يذكر قوله: "والشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما البتة".

وأخرج النسائي في السنن الكبرى عن أبي أمامة أن خالته أخبرته قالت: لقد أقرأنا رسول الله آية الرجم: "الشيخ والشيخة فارجموهما البتة بما قضيا من اللذة".

قلت: هذا إسناد ضعيف فيه مروان بن عثمان ضعفه أبو حاتم، وقال عنه النسائي: ومن مروان بن عثمان حتى يصدق على الله، وفي سنده سعيد بن ابي هلال قال فيه ابن حزم ليس بالقوي وقال أحمد: ما أدري أي شيء يخلط في الأحاديث، وقد ذكره الساجي في الضعفاء.

وأخرج النسائي في السنن الكبرى عن زيد بن ثابت أنه قال: كنا نقرأ "الشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما البتة"، فقال مروان لا تجعله في المصحف، قال: ألا ترى أن الشابين الثيبين يرجمان، ذكرنا ذلك وفينا عمر فقال: أنا أشفيك، قلنا: وكيف ذلك؟ قال: أذهب إلى رسول الله إن شاء الله، فأذكر كذا وكذا، فإذا ذكر آية الرجم فأقول: يا رسول الله أكتبني آية الرجم، قال: فأتاه فذكر آية الرجم، فقال: يا رسول الله أكتبني آية الرجم قال: لا أستطيع.

قلت: هذا إسناد ضعيف لجهالة ابن أخي محمد عن كثير بن الصلت وجهالة من نبأه عنه.

وأخرج أحمد في المسند عن أبي كعب قال: كانت سورة الأحزاب توازي سورة البقرة، فكان فيها: "الشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما البتة".

قلت: هذا إسناد ضعيف فيه عاصم بن ابي النجود سيئ الحفظ قال ذلك العقيلي وابن علية وابن القطان وقال ابن معين: ليس بالقوي وقال الفسوي: في حديثه اضطراب وقال زهير بن حرب: مضطرب، وفي إسناده خلف بن هشام قال يحي بن معين: لم يكن يدري أيش الحديث.

وأخرج أحمد في المسند عن زيد بن ثابت: سمعت رسول الله يقول: "الشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما البتة"، فقال عمر: لما أنزلت هذه أتيت رسول الله فقلت: أكتبنها. قال شعبة: فكأنه كره ذلك، فقال عمر: ألا ترى أن الشيخ إذا لم يحصن جلد، وأن الشاب إذا زنى وقد أحصن رجم.

قلت: هذا إسناد ضعيف فيه محمد بن جعفر قال فيه ابو حاتم: يكتب حديثه عن غير شعبة ولا يحتج به وقال ابن حجر: فيه غفلة، وكان ابن القطان اذا ذكر عنده عوج فمه كأنه يضعفه، وفيه قتادة مدلس وقد عنعنه، وقد صرح في سنن البيهقي بالتحديث إلا أنه لا دليل بقطع بصحته، والحديث عموما في متنه نكارة، لأن حكم الرجم مناط بالإحصان، لا الشيخوخة، ولفظة شيخ في اللغة لا تفيد الإحصان، وحديث عمر روي في الصحيحين بغير ذكر "الشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما البتة" أنه آية في كتاب الله، فالظاهر أن ذلك لم يصح عندهما، والرجم ثبت في أحاديث أخرى من عمل رسول الله لكن لم يثبت حديث صحيح بأن "الشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما البتة" كانت آية في كتاب الله. وسوف أتحدث لاحقا عن مدى صحة العمل بالرجم من عدمها. 

الأكثر قراءة

No stories found.
إرم نيوز
www.eremnews.com