فخامة الفراغ

فخامة الفراغ

"فخامة الفراغ" مصطلح لبناني بامتياز، لكن الصيت للبنان، والغنى لمعظم الدول العربية.

اللبنانيون هم من نحت المصطلح، وأكثر مَن استخدمه لتوصيف وتحليل متاعب الفشل في اختيار رئيس جديد في ظل معادلة طائفية وسياسية شديدة الخصوصية وبالغة التعقيد، وفي ظل أوضاع أمنية حساسة، وتجاذبات إقليمية ضاغطة..

في لبنان يكون التلويح بالفراغ، عامل دفع للسياسيين للاتفاق على حل وسط، وللاتفاق على التغيير واختيار بديل، وللتحذير من مخاطر التمسك بالمواقف، والتشبث بالحسابات الفئوية والطائفية الضيقة.

وقلما استخدم هذا المصطلح لتجاوز الدستور أو التحايل عليه، فالفراغ في لبنان له معنى حقيقي، إذ يمكن أن يؤدي الفراغ إلى تفتيت المعادلة اللبنانية الحساسة، ويفتحها أمام احتمالات خطيرة تتجاوز حدود الوطن الصغير إلى الإقليم.

ولذلك، فإن التصدي للفراغ الرئاسي لا يكون في معظم الأحيان جهداً لبنانياً خالصاً، بل تشترك فيه كل الأطراف الإقليمية والدولية الفاعلة.

لكن المصطلح الذي أصبح عابراً للحدود، له في بعض الدول العربية معنى مختلف واستخدام مغاير، فالفراغ بالنسبة للبنان تعطيل لمسيرة الديمقراطية وتداول السلطة، أما في الدول العربية الأخرى، فهو وسيلة للإبقاء على الوضع الراهن واستدامته، والتشبث به، وحشد التأييد له.

الخوف من الفراغ في لبنان خوف على الديمقراطية، وتمسك بها، لكنه عند الآخرين دفاع عن الديكتاتورية، وتجميل لها.

الفراغ الذي يخشى اللبنانيون حدوثه في منصب الرئاسة، يتم استحضاره عند الآخرين لتبرير التمسك بالسلطة، أو تجاوز الدستور أو التحايل عليه.

في التاريخ العربي الحديث، هناك زعامات عربية عديدة وصلت للحكم في غفلة من التاريخ، لكن ما لبثت، بطول المقام، أن تحولت إلى قيادات وصفت بأوصاف أنزلتها منازل الآلهة، وربطتها بحياة الناس وطموحاتهم وآمالهم.

هذه الزعامات، التي أصبحت في بعض الأدبيات السياسية والحزبية العربية "القيادات الضرورة" التي لا تستقيم الحياة من دونها ولا تستقر الأوضاع بغيابها، جعلت من نفسها صنواً للفراغ ومكافئاً له.

لا شيء بعدها ولا شيء قبلها. في السابق، لم يكن الأمر يحتاج إلى العناء الذي يواجهه قادة هذه الأيام، فلا ترشيح ولا من يترشحون.. هناك اسم واحد هو اسم الزعيم يجري عليه الاستفتاء، ويتم التجديد له مرة أخرى، ليصبح ارتباطه بكرسي الحكم نوعاً من الارتباط القدري، لا ينتهي إلا بانتهاء حياة الزعيم أو بالانقلاب عليه.

اليوم يتغير الأمر، فالجو السياسي ربيع، والطقس بديع، على حد قول الشاعر صلاح جاهين، ولذلك لا بد من مجاراته والتكيف معه، ورسم السيناريو المناسب الذي يتفق مع أدبياته وطقوسه.

الجزائر كانت مثلاً صارخاً للكيفية التي تم فيها الحفاظ على الرئاسة، والإبقاء على رئيس بالكاد استطاع الإدلاء بصوته فوق كرسي متحرك، وبالكاد تمكن من تلاوة القسم بعد حملة انتخابية كان هو الغائب الأكبر فيها، حيث لم يطل خلالها على الجمهور الذي انتخبه ولو مرة واحدة.

ومع ذلك، فاز فوزاً سهلاً أين منه فوز الـ99%، طبعاً الذين كانوا وراء ترشيح بوتفليقة وفوزه بولاية رابعة، هم أصحاب نظرية التحذير من الفراغ، الذي كان سيتركه الرئيس في حال عدم التجديد له، وكأن أرض المليون شهيد عجزت أن تلد نداً أو مثيلاً له.

الدفاع عن الفراغ والتحذير منه يتم أحياناً بأثر رجعي، فبعض رموز نظم الحكم المنهارة، تجد ما يحدث في أوطانها من انتهاكات لحقوق الإنسان سبباً لتأكيد أن الفراغ الذي تركه من غابت شمسهم، وانطفأ بريقهم، لا يمكن تعويضه حتى لو كان ذلك الفراغ من صنيعة تلك النظم ولخدمة ما كانت ترسم من أهداف، رغبة في الاستمرار في الحكم وتوريثه إن أمكن.

إضاءة
هذا المقال قديم جديد. فهو قديم بمعيار الزمن حيث كتبته لأول مرة عام 2014 تعليقاً على الفراغ الرئاسي بلبنان في ذلك الحين عندما تعثر انتخاب رئيس جديد، وتعقد اختيار رئيس للحكومة، للدرجة التي اضطر فيها الساسة اللبنانيون للجوء إلى الخارج لتيسير تسمية شخصية كحل وسط يُسكت المعترضين، ولا يُثير المشككين. وهو جديد، كما لو أن نذر حدوث فراغ رئاسي يعقب خروج الرئيس ميشال عون من قصر بعبدا في نهاية الشهر الجاري، استحقاق جديد بمعيار الزمن المجرد، حتى لو كان في حقيقته إنتاجاً جديداً لمسلسل سياسي معروف للبنانيين قبل غيرهم من أبناء محيط إقليمي يعيشون فيه، والذين وجد العديد منهم، ولأسباب مختلفة، أن وباء الفراغ لم يعد حكراً على اللبنانين فقط بعد أن باتت ولادة الرئاسات والحكومات في العديد من الدول العربية، ولادات متعسرة وصعبة، وتحتاج إلى عمليات قيصرية قبل أن ترى النور.

الأكثر قراءة

No stories found.
إرم نيوز
www.eremnews.com