عن الحب والعدالة الاجتماعية وحمرة الخجل !

عن الحب والعدالة الاجتماعية  وحمرة الخجل !

محمد بركة

لا أعرف كيف اخترقني سهم الحب بهذا العنف الهادر وأنا عيل مطلعش فعلاً من البيضة، ولا يعرف – حقاً – الفارق بين الألف وكوز الدرة؟ كيف تحولت بقدرة قادر إلى سمكة بلطي تخرج من بحر البراءة وقد علقت السنارة بفمها الصغير فيتألق لونها الفضي في أشعة الشمس قبل أن يُرمى بها على قطعة من الصاج المحمى وتُشوى وهي لا تزال حية على نار الغرام الموقدة.

كنت يادوبك أبلغ من العمر ست سنوات. نحيلاً مثل الحديدة التي تحرك بها أمي أرغفة الخبز المرحرح. مرتاح البال لا يؤرقني شيء بالوجود سوى الإمساك بواحدة من تلك الفراشات المراوغة التي لا أكف عن مطاردتها عبر حقول البرسيم.

والمثل يقول: خدوا فالكم من عيالكم، لكني «دولة العلم والإيمان» لم تأخذ فالها ولا بالها، لم تنتبه لي، تركتني – أنا وش السعد والهنا المولود سنة الانتصار العربي اليتيم على إسرائيل – أذهب إلى المدرسة مرتدياً شبشب زنوبة وبيجامة من الكستور يحصل عليها أبي من متاجر «الكساء الشعبي». تقتادني أختي التي تكبرني بعامين ثلاثة إلى مقر العلم والتعليم كل صباح كما يقتاد عشماوي متهماً يرتدي البدلة الحمراء إلى حبل المشنقة.

لم يكن ثقب الأوزون قد ظهر بعد، ولم تكن زيادة حرارة كوكب الأرض تحتل صدارة جدول الأعمال في مؤتمرات البيئة الدولية، وبالتالي كان المناخ بمصر لا يزال معتدلاً ربيعاً، بارداً شتاء، وكانت تيارات الهواء «الصاروخية» تصفع وجوهنا نحن ملائكة الله الصغار عبر زجاج الشبابيك المكسور فى فصول المدارس الحكومية.

ورغم أن هوجة الانفتاح كانت في عزها فإن الدولة في نهاية السبعينيات كانت لا تزال تشعر بالحد الأدنى من حمرة الخجل تجاه الفقراء الذين يشكلون الأغلبية العظمى من الشعب، ولم ترفع بعد الراية البيضاء في مواجهة ضغوط السادة بالبنك الدولي الذين طالما أمروا برفع الدعم عن محدودي الدخل «هؤلاء الذين أصبحوا في الألفية الثالثة معدومي الدخل والحمد لله فهدأت تلك الضغوط». المهم أن هذا الحد الأدنى من «حمرة الخجل» انعكس فيما كان يسمى «الوجبة المدرسية» والتي كانت تُوزع علينا يومياً وبالمجان، وهي عبارة عن رغيف ناشف مثل البلاستيك وقطعة كبيرة من جبنة المثلثات تشعر حين تتذوقها بأنها مخلوطة – على نحو ما – بالتراب.

ولم تكن تعنينا الوجبة في حد ذاتها، فأمهاتنا لم يكن يثقن أبداً بأى شئ يتعلق بالحكومة، وقبل أن نحشر كتبنا الكثيرة والثقيلة في حقائبنا القماشية، كن يحشرن أولاً عدداً رهيباً من السندوتشات البيتى الشهية، وكأننا سنغيب عن البيت أياماً وليس ساعات في مدرسة لا تبعد سوى عدة دقائق سيراً على الأقدام، وبالتالي لم نكن نشعر بحاجتنا لهذه الوجبة من أجل مواجهة أي إحساس بالجوع، بل لمواجهة هذا الإحساس العارم بالملل.

نفس الملل الذي لعلك تشعر به الآن حيث انتهى المقال دون تفاصيل عن الحب علما بأنني لم أكن أنتوي خداعك لكن لمساحة المقال أحكام !

ما ورد في هذا المقال تعبير عن وجهة نظر الكاتب، ولا يعكس رأي موقع إرم نيوز‬‎

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات desk (at) eremnews.com

محتوى مدفوع