إلى أين تتجه العلاقات بين السعودية وإيران ؟

إلى أين تتجه العلاقات بين السعودية وإيران ؟

تاج الدين عبد الحق

التعويل على المقاربة الدبلوماسية الجديدة بين الرياض وطهران، والتعاطي معها كاختراق سياسي في علاقات البلدين، فيه تفاؤل يعبر عن آماني وتطلعات، أكثر من كونه تحليلًا يستند إلى معطيات. فما بين الدولتين الكبيرتين، ليس تباينًا ثنائيًا عابرًا، بل خلاف مزمن، عمقته وقائع وشواهد عديدة، لها على الأرض آثار وندوب واضحة في مفاصل كثيرة، من علاقات معقدة وحساسة حكمت سياستيهما وعلاقاتهما بالمحيط الإقليمي.

واللقاء الدبلوماسي العابر الذي جرى بين وزيري الخارجية السعودي عادل الجبير والإيراني جواد ظريف، والذي يؤرخ به البعض للانفراج المحتمل في علاقات البلدين، ليس أكثر من محطة من المحطات العديدة التي كان يتصادف فيها، أو عندها لقاءات بين دبلوماسيي البلدين.

هذا لا يعني التقليل من أهمية المقاربات العابرة، ولا اللقاءات الدبلوماسية المنتظرة، في التأسيس لتطورات هامة في العلاقات السياسية.

فكلنا يذكر ما أحدثته دبلوماسية البينج بونج ”كرة الطاولة“ في السبعينيات، من تغيير في العلاقات الدولية بعد أن فتح لقاء رياضي بين الصين والولايات المتحدة بابًا مغلقًا في علاقات البلدين ليصبح فيما بعد مدخلًا لعلاقات متشعبة وشراكة وتفاهمات واسعة جعلت منهما أكبر شريكين على وجه المعمورة.

في العلاقات السعودية الإيرانية، لايبدو الأمر واعدًا إلى هذا الحد. فالانفراج أو التأزيم، مرتبط بمدى تحسن أو توتر المناخ الإقليمي وما يتصل به من ارتدادات دولية.

وبتطبيق هذه المعادلة على ما يحدث في المنطقة، فإننا لانجد معطيات قوية، تدّل على أن المقاربة الدبلوماسية الجديدة، هي تمهيد لانفراجات وشيكة، أو بداية لتحولات رئيسة تعيد رسم العلاقات الإقليمية.

تحسن العلاقات السعودية الإيرانية -إن حدث – لا يتوقف على نجاح الدبلوماسية السعودية والإيرانية في تجاوز الأسباب التي أدت إلى قطع العلاقات بين البلدين، بل في إمكانية توفير رزمة من التفاهمات بين البلدين إزاء القضايا الإقليمية.

هنا سنجد أن الكرة في مرمى إيران، لأنها هي التي ظلت تتوسع وتتدخل في شؤون دول المنطقة بدءًا من العراق ولبنان ومرورًا بسوريا والبحرين وانتهاء باليمن، في حين كانت السعودية حذرة في التعامل مع التمدد الإيراني، وظلت تراهن على فرص تدخل المجتمع الدولي للجم الطموحات التوسعية لطهران. ولم يبدأ صبر السعودية بالنفاد إلا عندما أخذت إيران تتمادى وتمد نشاطها حتى وصل إلى الحديقة الخلفية للمملكة في البحرين واليمن.

عندها أرسلت وحدات عسكرية سعودية وإماراتية إلى البحرين كترجمة مباشرة لنفاد صبر المملكة إزاء التجاوزات الإيرانية، قبل أن يتجلى تصديها لتلك التجاوزات في التحالف العربي، الذي قوضت به مسعى طهران للسيطرة على اليمن.

اليوم ينحسر المشروع الإيراني. ففي سوريا التي يتراجع فيها خطر التنظيمات الإرهابية، تتراجع ذرائع استمرار التواجد الإيراني، والميليشيات المتحالفة معه، بل أصبح هذا التواجد يثير حفيظة العديد من الجهات الإقليمية والدولية، وبات إخراجه هو وملحقاته، مطلبًا أساسيًا للاتفاق على إنجاز تسوية سياسية مقبولة .

كذلك فإن المشروع الإيراني ينحسر – وإن على استحياء – في العراق أيضًا، مع تزايد الأصوات التي تطالب بلجم التدخلات الإيرانية في الحياة السياسية العراقية. ولعل نجاح السعودية والإمارات في فتح قنوات مع قوى حزبية ودينية و سياسية، محسوبة على المكون الشيعي العراقي هو بداية جهد هام ونوعي، لاستعادة هذا المكون من الذين حاولوا اختطافه وإبعاده عن حاضنته القومية.

المشروع الإيراني في اليمن يترنح أيضًا، بعد عامين ظهر فيهما أن الانقلاب الحوثي بلا أفق سياسي، بل انه يدخل الآن، مرحلة التفسخ والتشرذم، والخلاف بين أقطابه.

فوق هذا وذاك، فإن إيران التي ظلت تتمدد وتتوسع في كل الاتجاهات، باتت مستنزفة للدرجة التي يتهدد فيها استقرار نظامها، فيما ترتفع فيها أصوات المعارضة التي تطالب بانكفاء إيران والاهتمام بهموم الداخل بدلًا من الاستعراض السياسي في الخارج.

في ظل هذه التحولات، فإن إمكانية التحسن في العلاقات بين البلدين تصبح مرتبطة بظروف إيران الضاغطة داخليًا، ومدى قدرتها على التأثير في سلوك طهران الخارجي، وصولًا إلى إنهاء حالة المكابرة التي جعلتها في عداء مع الجميع.

ما ورد في هذا المقال تعبير عن وجهة نظر الكاتب، ولا يعكس رأي موقع إرم نيوز‬‎

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات desk (at) eremnews.com