جمال السويدي ينتصر في أم المعارك

جمال السويدي ينتصر في أم المعارك

تاج الدين عبد الحق

إذا كان الكتاب يقرأ من عنوانه، فإن هذا القول يلخص بدقة الرسالة التي أراد الدكتور جمال سند السويدي، إيصالها من خلال سيرته الذاتية التي سجلها كتابه الصادر مؤخرًا، بعنوان محفز ومباشر، هو “ لا تستسلم ”.

كان الانطباع الأول الذي تركه العنوان عندي، قبل أن تصلني نسخة من الكتاب الذي يزيد عن 700 صفحة من القطع المتوسط، هو أنني أمام قائد عسكري يفاخر بانتصارات في ميادين القتال، وليس أكاديميًا وكاتبًا، سلاحه الكلمة وعدته الرأي.

العنوان مستوحى من نتائج، وتفاصيل المعركة الشرسة التي خاضها الدكتور السويدي، مصارعًا مرض السرطان لعشر سنوات كاملة، إلا أن فصول الكتاب، تشير إلى أن هذه المعركة، على ضراوتها، لم تكن سوى واحدة من المعارك الكثيرة الناجحة التي خاضها الكاتب على المستويات الشخصية والمهنية والوظيفية، حتى وإن كانت بالنسبة له أم المعارك وأكثرها شراسة، إما لخبث العدو فيها أو لطول المدة التي استغرقتها رحلة العلاج.

من البداية وفي مقدمة الكتاب التي لخص فيها المؤلف رحلته الصعبة، من اكتشاف المرض، إلى الشفاء، مرورًا بالمحطات العديدة والمضنية من العلاج، يجد القارئ نفسه أمام سرد روائي، وحس أدبي يسيطر عليه المنولوج الداخلي الذي تتدفق من خلاله مشاعر مختلفة، يتصارع فيها الموروث الثقافي بكل أبعاده الإنسانية والدينية والاجتماعية، مع الحقائق العلمية، بكل حيادها وقسوتها، لتشكل لوحة سيريالية من المشاعر، التي تتشابك فيها الصورة الذهنية المختزنة عن الحياة و الموت، مع التحاليل الطبية والنتائج المخبرية.

وقد فتحت هذه المساحة الواسعة، لصراع المشاعر، بابًا عريضًا، للتأمل وفرصة لامتحان إمكانية تعايش الكاتب بين إيمان راسخ بالموت كحقيقة مؤكدة، لاهروب منها، وبين إرادة الحياة والتعلق بالأمل، مهما كان ضعيفًا، والاستئناس بالضوء حتى لو كان خافتًا.

في رحلته هذه يأخذنا الكاتب من محطة كان الموت ينتظره فيها، على مرمى أسبوعين ، إلى محطة الشفاء المستحيل، التي وصل إليها بعد 600 أسبوع من ذلك الموعد المشؤوم.

كان عند كل منعطف أو منزلق في هذه الرحلة الطويلة القاسية، يخوض معركته بوعي علمي اكتسبه من حياته الأكاديمية والوظيفية الموزعة بين الدراسة والبحث، والعمل المؤسسي، وإيمان قدري زرعته في نفسه البيئة المحلية والدينية التي نشأ فيها.

كان هذا المزيج من الوعي العلمي، والقيم الموروثة، قادرًا في كل مرة أن ينفض عن الرجل ، الوهن والاستسلام ، ويقوي عزيمته ويشحذ إرادة الصمود لديه.

وككل التجارب الإنسانية فإن الدعم الذي حصل عليه الكاتب من أسرته الصغيرة ، ومن وطنه الذي تتجسد فيه روح التكافل والتضامن شكل محورًا من المحاور الأساسية التي تطرق لها الكاتب، خاصة الدور الذي لعبه ولي عهد أبوظبي الشيخ محمد بن زايد آل نهيان الذي كان مواكبًا وداعمًا لمعركة المؤلف من لحظة اكتشاف المرض إلى حين الشفاء التام.

وعلى عكس الانطباع الأول الذي يتركه الكتاب، فإن الفصل الذي يتناول معركة الكاتب مع السرطان، لا يروي قصة الانتصار كلها، فهناك فصول عديدة أخرى، جديرة بالقراءة تتناول نشأة الكاتب والحاضنة الأسرية والاجتماعية التي مهدت، أو حفزت على نجاحه، في الوصول إلى تجربة حياتية غنية بالإنجازات الشخصية والعلمية والمهنية، والتي تشكل في مجملها مصدر إلهام لكل من يسعى إلى تحقيق التميز في حياته العلمية أو مسيرته العملية .

لقد كانت لغة الكتاب، وحرارة السرد فيه، فضلاً عن غنى التجربة ذاتها، وسلاسة العرض، وعشرات الصورالأرشيفية التي تضمنها، قادرة على تسليط الضوء على تجربة حياتية ثرية، لاتجعل من الكتاب مرجعًا يؤرخ لسيرة ذاتية فقط، بل فصلا من فصول قصة النجاح الذي حققته الإمارات على صعيد بناء الإنسان، باعتباره الثروة الأغلى و المورد الأهم.

ما ورد في هذا المقال تعبير عن وجهة نظر الكاتب، ولا يعكس رأي موقع إرم نيوز‬‎

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات desk (at) eremnews.com

مواد مقترحة