ماذا حمل مقتدى الصدر للرياض ؟ – إرم نيوز‬‎

ماذا حمل مقتدى الصدر للرياض ؟

ماذا حمل مقتدى الصدر للرياض ؟

المصدر: تاج الدين عبد الحق

بغض النظر عن الدور الذي يلعبه رجل الدين الشيعي مقتدى الصدر في الساحة العراقية، وبغض النظر عن النتائج التي يمكن أن تنتج عن زيارته للمملكة العربية السعودية، فإن الزيارة تظل محطة مهمة من محطات ما يعتبره البعض مواجهة تاريخية مستمرة، بين المكونين الإسلاميين الكبيرين السنة والشيعة، أو ما يعتبره آخرون بأنه محاولات لإحياء الخلافات المذهبية القديمة خدمة لمشاريع سياسية جديدة.

الزيارة في الشكل، هي محاولة لانتزاع المكون الشيعي العربي، من  أولئك الذين يحاولون اختطافه وتوظيفه كطابور خامس، خدمة لمشاريع الهيمنة السياسية والتوسع الجغرافي، وتخليق هوية سياسية وثقافية واجتماعية بعيدا عن الحاضنة القومية الطبيعية.

زيارة مقتدى الصدر للرياض تطور مهم لبناء ثقة مفقودة، ومحاولة لإزالة ما تراكم من تشويه ديني، وما جرى من توظيف مذهبي في الصراعات الإقليمية المتواصلة منذ عقود، أو في مشاريع التمدد والهيمنة التي تكشّر عن أنيابها الحادة منذ عدة  سنوات.

تحجيم الخلافات المذهبية وإبقاؤها ضمن سياقاتها الفقهية التقليدية، وإبعادها عن التوظيف السياسي مصلحة خليجية ولا شك، فإلى جانب أنه يساعد على قطع الطريق أمام من يحاول استثمار تلك الخلافات لتصفية حسابات سياسية، أو تغطية مطامع توسعية، فإنه  يساهم أيضا في تنقية الساحات الداخلية في دول المنطقة نفسها، من أشكال تطرف غير مسبوقة، وصيغ تجييش سياسي غير مألوفة، قامت طمعًا في حظوة فكرية أو تغطية لمشاريع حزبية، أو تنفيذًا لأجندات سياسية خاصة.

ويبدو أنه آن الأوان لبذل جهد لفك ارتباط المذاهب -أيا كانت-  بالسياسة، والتوقف عن استخدام الخلافات المذهبية في التجييش السياسي، وصولا إلى  حصر هذه  الخلافات بحدود الاجتهادات الفقهية، بشكل يسهّل معه تحديد أولئك الذين يحاولون الاستقواء بالطائفية تحقيقًا لأهداف سياسية، أو سعيًا لأي شكل من أشكال الهيمنة.

 ولعل هذا الجهد، هو جزء من مقاربة أوسع، تستهدف -فيما يبدو- كشف الدور الذي لعبته النخبة الدينية والسياسية في إيران، لنشر آفة الطائفية في الإقليم تحت ستار تصدير الثورة وتمكينها وتثبيتها.

إذ لم يكن هناك من يجرؤ قبل ذلك، أو يسمح بتوظيف الخلافات المذهبية توظيفًا سياسيًا، بل لم يكن هناك من يأبه للانتماء الطائفي إلا بعد أن أخذ مصطلح تصدير الثورة الإيرانية بعدًا عمليًا، وتجسد في مشاريع سياسية عديدة عاثت فسادًا وقتلا في المنطقة كلها.

فإلى ما قبل تلك الفترة، كانت المشاعر الوطنية والقومية هي السمة الغالبة على كافة المكونات الاجتماعية والفكرية في المنطقة العربية، ورأينا تجسيدًا لذلك في الاستفتاء الأممي في البحرين حينما حاول شاه إيران اللعب على الوتر الطائفي، لخدمة مشروع الهيمنة الذي سعى إلى تنفيذه، ليملأ من خلاله الفراغ الذي خلّفه انسحاب بريطانيا من شرق السويس.

 آنذاك لم يقف المذهب حائلا دون تصويت أغلبية أبناء البحرين لصالح عروبة وطنهم، ولم يساوموا بكافة أطيافهم على استقلاله وإبعاده عن كل أشكال التبعية.

لم يكن للمذاهب الدينية في دول المنطقة، أي حضور في نشاط وأدبيات الأحزاب والتيارات السياسية الوطنية منها والقومية، وكانت تلك الأحزاب تضم طيفًا متنوعًا من مختلف المكونات الاجتماعية والدينية والمذهبية، وقلّما كانت الهوية المذهبية سببًا في الإقصاء السياسي، أو عاملا لتهميش الأدوار أو تحجيم الأوزان.

تغوّل إيران في نشر الوباء الطائفي، جرّ المنطقة – بوعي أو دون وعي- إلى حالة من التعصب المذهبي، فسُمح لأصوات بأن ترتفع  بالتطرف ومنابر لتجاهر بالتكفير، متجاوزة في كثير من الأحيان المخالفين في المذهب، لتطال المخالفين في الاجتهاد حتى وإن كانوا من الطائفة نفسها والمذهب ذاته.

الحرب التي تخوضها دول المنطقة على الإرهاب والتطرف متعددة الوجوه والأشكال، ومن بين أبرز هذه الوجوه حصار أولئك الذين يحاولون اختراق الساحات الداخلية، من خلال الانفتاح على كافة القوى الاجتماعية والمراجع الفكرية المحلية من مختلف المذاهب، بهدف قطع الطريق أمام  كل من يحاول اختطاف هذه الساحات، ومصادرتها أو النفاذ إليها واحتلالها باسم المذهبية والطائفية.

ما ورد في هذا المقال تعبير عن وجهة نظر الكاتب، ولا يعكس رأي موقع إرم نيوز‬‎

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات desk (at) eremnews.com