حجة السيادة القطرية في مهب الريح

حجة السيادة القطرية في مهب الريح

تاج الدين عبد الحق

حجة السيادة التي تتذرع بها قطر، هروبًا من المطالب الخليجية، غير مقنعة، أو غير مفهومة، خاصة بعد الكشف عن الوثائق والمراسلات التي وثقت تاريخ تلك المطالب وجذورها.

فحسب الوثائق التي تم الكشف عنها، فإن ما طالبت به الدول الخليجية  يتعلق بقضايا لها مساس مباشر بأمن هذه الدول، أو بالاستقرار الإقليمي ، وهي في كل الأحوال مطالب تنسجم في جوهرها وشكلها، مع قواعد التعامل الدولي ومع المواثيق والأعراف الدبلوماسية.

ما طالبت به الدول الثلاث، وفق الوثائق، هو في الشكل والمضمون، التزامات مفصلة تعهدت بها قطر سابقًا ووقعها أميرها، وظلت الدوحة تتجاهلها، مراهنةً في هذا على الأريحية الخليجية، وعلى العزوف التقليدي لدول المنطقة عن سياسة التصعيد.

مجمل ما ورد في مطالب الدول الخليجية لا يشكل في مضمونه  تحاملًا، أو انتقاصًا من السيادة، كما حاولت الآلة الإعلامية القطرية الإيحاء به، بل هو أمر متعارف عليه في العلاقات الدولية، حتى بين دول لا تربطها مصالح أمنية وسياسية وثيقة، أو تقارب جغرافي واجتماعي عميق، كما هو الحال بالنسبة لمنطقة الخليج.

وهناك سوابق عديدة لإجراءات عقابية اتخذتها بعض الدول تجاه دول أخرى، بعيدة عنها، لمجرد اختلاف في السياسات، أو تضارب في المصالح.

وليست العقوبات التي فرضتها الدول الغربية على موسكو، بسبب تدخلها في أوكرانيا، إلا مثالًا واحدًا من بين مئات الأمثلة على عقوبات فُرضت لا بسبب نكث اتفاقيات كما في حالة قطر، بل لكونها ردًا على سياسات، أو خطوات تتعارض مع مصالح غير مؤكدة، أو غير محددة، لا كما هو الحال بالنسبة لقطر، حيث الأسباب واضحة، ومخارج الحل معروفة.

والوثائق التي تم نشرها، على خلفية التصعيد والمكابرة القطرية، تضع بما لا يدع مجالًا للشك حدًا للانطباع الذي حاولت الدوحة الإيحاء به، وهو أن المطالب الخليجية كانت تعجيزية وغير واضحة، أو غير محددة.

فالبنود التي تضمنتها هذه الوثائق كانت من الوضوح والتفصيل بما لا يمكن بعده التشكيك في نوايا ودوافع دول المنطقة، ولا لومها على ما اتخذته من إجراءات عقابية، بل النظر إليه كشكل من أشكال الدفاع عن النفس، وبمثابة ”الكي“ الذي لجأت إليه باعتباره آخر الدواء، بعد أن أعيتها الحيلة، واستعصى عليها العلاج بالأدوية والوصفات المعروفة.

دول الخليج وبناء على الاتفاق الذي نُشرت تفاصيله، والممهور بموافقة الدوحة، وتوقيع أميرها، تطالب قطر بالالتزام، منذ سنوات، بعدم ”تناول القنوات المملوكة أو المدعومة من قبلها لمواضيع تسيء إلى أية دولة من دول المجلس“.

وقد تم تحديد هذه القنوات بالاسم وبشكل واضح ومحدد أكثر من مرة، وفي أكثر من مناسبة، وبأوضح صورة.

وبدلًا من أن تلتزم قطر بما وقّعت عليه، حاولت تشويه دوافع دول الخليج لطلب إيقاف القنوات الإعلامية المشار إليها، موحيةً بأنها الحامية لحرية الرأي والمدافعة عن حق التعبير.

وكان يمكن أن ينطلي ذلك على كثيرين، لو أنه يتفق مع طبيعة المناخ الإعلامي القطري، أو أنه يعكس المصالح الوطنية القطرية.

لكنَّ الواضح من مراجعة سجل الدوحة والشواهد العديدة في هذا الشأن، أنها كانت تستخدم الإعلام كرأس حربة لتصفية الحسابات السياسية مع الخصوم، ولا تتوانى عن التدخل في شؤون دول الجوار، ولا تتورع عن العمل على تقويض أسس الاستقرار والأمن فيها.

وللأهداف نفسها، وتحقيقًا للغايات نفسها، عمدت قطر إلى إيواء ودعم وتجنيس رموز وتنظيمات المعارضة التي تقوم بنشاطات معادية لدول في المجلس لضرب أمن واستقرار هذه الدول، وصولًا للإيحاء بأنها النموذج المتفرد في بيئة إقليمية لا تسمح بالديمقراطية والتعددية السياسية.

الوثائق بما تحويه من تفصيلات محددة، والتزامات واضحة، كشفت هشاشة الموقف القطري ووضعته أمام استحقاقات لا يمكن الإفلات منها، أو التحايل على تنفيذها، كما فرضت على الذين تأثروا بخطاب ”المظلومية القطرية“ مراجعة أنفسهم ، بعد أن أدركوا أن ذلك الخطاب لا يملك صدقية في معطياته، ولا نزاهة في أهدافه.

ما ورد في هذا المقال تعبير عن وجهة نظر الكاتب، ولا يعكس رأي موقع إرم نيوز‬‎

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات desk (at) eremnews.com