منطق التجارة وضرورات السياسة في لقاء ترامب بقادة الخليج

منطق التجارة وضرورات السياسة في لقاء ترامب بقادة الخليج

المصدر: تاج الدين عبد الحق

تعطي التصريحات التي أدلى بها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، عن أن واشنطن تتحمل ”كلفة هائلة للدفاع عن منطقة الخليج عمومًا والسعودية خصوصا“، إيحاء بأن ما كانت تقدّمه أمريكا سابقًا أو ما ستقدّمه لاحقًا خدمات مجانية تتبرع بها الولايات المتحدة لدول الخليج، باعتبارها طفلها المدلل .

ومع الاعتراف أن دول الخليج رهنت -إلى وقت طويل- أمنها بعلاقات التعاون السياسي والعسكري التي نسجتها مع الولايات المتحدة، إلا أنه من الظلم القول إن دول المنطقة كانت طرفًا سلبيًا في تلك العلاقة، أو إنها لم تتحمل شيئًا من كلفة الشراكة مع الإدارات الأمريكية المتعاقبة.

فقد دفعت هذه الدول كلفة سياسية كبيرة خاصة إبّان الحرب الباردة مع الاتحاد السوفييتي السابق، وشكلت في مرحلة من المراحل خندقًا متقدمًا للولايات المتحدة في تلك الحرب، كما أنها ساهمت -على نحو أو آخر- بمحاصرة الدور السوفييتي في المنطقة العربية، والإجهاز عليه وانهياره فيما بعد.

 ولم تكن الكلفة السياسية قاصرة على ذلك فحسب، بل أدت بالتزامن مع تلك الحرب، إلى  اضطراب علاقات دول المنطقة بجوارها الإقليمي، بدءًا من الحرب الأولى في اليمن، ومرورًا بالحرب في أفغانستان، وفيما بعد الحرب  العراقية الإيرانية، وغزو الكويت الذي تلاها واحتلال العراق الذي ما زال قائمًا، كما أن تلك الكلفة شملت  أيضًا الاستقرار الداخلي في بعض دول المنطقة، التي خسرت ماديًا وبشريًا بعد أن وجدت أن مشاركتها في بعض الحروب الإقليمية، انتهت إلى ظهور قوى متطرفة،  تحوّلت فيما بعد إلى رأس حربة في ظاهرة الإرهاب التي عمَّت الإقليم والعالم.

وتحملت دول المنطقة كذلك من تحالفها مع واشنطن، الحرج السياسي الضاغط الذي كانت تتعرض له بسبب علاقات التعاون الوثيقة بين واشنطن وتل أبيب، والسخاء الذي أبدته الإدارات الأمريكية المتعاقبة تجاه إسرائيل، وهو ما أضعف القدرة على تبرير الإبقاء على علاقات التحالف مع واشنطن.

أما على الصعيد الاقتصادي فإن الكلفة لم تكن هيّنة  أيضًا، فالكل يعلم ما تحمَّلته دول المنطقة من كلفة مادية بسبب الحرب العراقية الإيرانية، والتي كانت – قبل أن تكون درءًا للمخاطر التي تتعرض لها المنطقة- جزءًا من استراتيجية مواجهة الخطر الإيراني لا على منطقة الخليج فحسب، بل على العالم أيضًا بما في ذلك الولايات المتحدة نفسها.

ودول الخليج دفعت أيضًا كلفة باهظة في حرب الخليج الثانية، والتي لا يمكن فصلها عن الحرب الباردة مع الاتحاد السوفييتي السابق، وهي حرب كانت تتجاوز في أهدافها، النتائج المباشرة التي تحققت على صعيد الإقليم.

والكلفة الاقتصادية تضمنت أيضًا مشتريات السلاح الخليجية طوال العقود الأربعة الماضية، والتي كانت الولايات المتحدة هي المصدر الأساس لها، وكلَّفت دول المنطقة مئات المليارات من الدولارات، فضلاً عن أن دول المنطقة وفَّرت للقوات الأمريكية العاملة في الخليج وجودًا ودعمًا لوجستيًا أعانها على تنفيذ المهام الموكلة لها في الإقليم وما حوله.

وعلى الصعيد الاقتصادي أيضًا فإن الشراكة في المجال الدفاعي سهَّلت التعاون الاقتصادي، ووفَّرت للشركات الأمريكية حصة هائلة من الأعمال في المنطقة، وفتحت لها سوقًا واسعًة تتمتع بقوة شرائية هائلة، إضافة إلى المحافظة على إمدادات طاقة مستقرة للولايات المتحدة وحلفائها بأسعار رخيصة مقارنة ببدائل الطاقة الأخرى.

وإذا أضفنا إلى كل ما سبق الدور الذي تلعبه دول المنطقة في الحرب على الإرهاب ومحاربة التطرف الذي لا يهدّد الإقليم فحسب بل العالم أجمع، فإننا نكون أمام علاقة لا يمكن إلا أن تكون متكافئة، لا مجال فيها للقول أو للإيحاء بأنها كانت خدمات مجانية قدمتها واشنطن لدول الخليج، أو أن تلك الخدمات كانت لصالح طرف دون الآخر.

إن واشنطن التي دخلت حروبًا مدمرة منذ الحرب العالمية الثانية في أوروبا وآسيا، لم تخض تلك الحروب باعتبارها خدمات مجانية تحملت الولايات المتحدة كلفتها، بل كانت على الدوام حروبًا للدفاع عن المصالح الأمريكية قبل أي شيء آخر، وما كانت لتخوضها لو لم تكن جزءًا من استراتيجيتها الأمنية، ودفاعًا عن مكانتها السياسية ودورها الدولي.

وعندما يلتقي قادة دول الخليج الرئيس ترامب على هامش القمة الأمريكية الإسلامية، لابد من وضع النقاط على الحروف لتوصيف العلاقة بواشنطن توصيفًا دقيقًا، وذلك لكبح جماح الرئيس الأمريكي الذي يحاول رسم العلاقة السياسة بدول الإقليم، بمنطق التجارة الذي نجح فيه كرجل أعمال متجاهلاً أن مصالح الدول ومستقبلها أكبر من أن يحكمهما ذلك  المنطق.

ما ورد في هذا المقال تعبير عن وجهة نظر الكاتب، ولا يعكس رأي موقع إرم نيوز‬‎

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات desk (at) eremnews.com