شهود الزور في مؤتمر جنيف الرابع

شهود الزور في مؤتمر جنيف الرابع

تاج الدين عبد الحق

يتحمل السوريون، نظامًا ومعارضة، وزر فشل الجولات المتتالية من المفاوضات في جنيف ، فيما يعلم الجميع أن فرص الحل السياسي، أو الحسم العسكري – إن كان ممكنًا – ، ليس بأيديهم ولا في قدرتهم، بل هو بيد القوى الإقليمية أو الدولية، التي توفر غطاءً لهذا الطرف أو ذاك، وهو ما كان واضحًا  في  المرات القليلة التي سجلت فيها الأزمة السورية انفراجات سياسية أو تطورات ميدانية.

في الجولة الجديدة من المفاوضات، لا شيء تغير في هذه المعادلة، رغم تحسن موقف النظام في الميدان، ورغم الضعف البنيوي الذي تعاني منه المعارضة. فالنظام لا يستطيع أن يجني ثمرة انتصاراته العسكرية الأخيرة، إلا بالقدر الذي تسمح به الدول الداعمة، أو الضامنة، والمعارضة لا تملك فرض شروطها السابقة التي تبدأ عادة، برحيل النظام، وتتناول آليات انتقال السلطة لها، حتى لو لم تستطع التوافق على الحصص فيها، و على من هو محسوب منها، على فصائل المعارضة، أو دخيل عليها.

المتفاوضون في جنيف أشبه بشهود الزور، فما يقولونه على مائدة التفاوض لا يعكس ما لديهم من معطيات. فالنظام الذي يطالب بنزع سلاح المعارضة وتجريدها من قوتها العسكرية، كشرط مسبق للحل السياسي، بات هو نفسه  يوفر الغطاء الذي يمكن بعض فصائل  المعارضة،  من البقاء كرقم في معادلة المواجهة العسكرية، وذلك من خلال اتفاقات توفر لهذه المعارضة ملاذات تحفظ لها عديدها العسكري، وتخزن فيها معداتها الحربية، أوتسمح لها بالسيطرة على بعض مناطق الصراع والنفوذ، بما يمكنها من البقاء، في الحلبة ضمن فريق المعارضة المفاوض، أو كرقم في معادلة الأزمة.

بالمقابل فإن المعارضة التي كانت حتى وقت قريب تطالب برحيل النظام،  كشرط مسبق للحل السياسي، لم تعد قادرة على وقف الاختراقات في صفوفها، سواء من خلال القبول بفصائل معارضة محسوبة على النظام، أو قريبة منه، مثل منصتي القاهرة وموسكو، أو من خلال القبول بهدن عسكرية، ومفاوضات تمهيدية هنا وهناك،  تسمح للنظام بإعادة نشر قواته،  بالشكل الذي يحد من قدرة تلك المعارضة على المناورة السياسية، أو الحركة الميدانية.

الاختراق الوحيد الذي يمكن أن يحدث في الجولة الرابعة في جنيف، هو اختراق من الصعب التوافق عليه، والتوصل إليه بين الأطراف المتفاوضة هناك، بل هو اختراق يجري الإعداد له وترتيب تفاصيله خارج حدود الإقليم، أو ضمن صيغ أوسع  تتجاوز الأزمة السورية، وتهدف إلى إيجاد مخارج لأزمات المنطقة ككل، أو تغيير المناخ السياسي المحيط بتلك الأزمات، وصولاً إلى تفاهمات إقليمية أو دولية، تفرض فرضًا، دون أن تأخذ بعين الاعتبار مدى توافقها، أو انسجامها مع طروحات، وأولويات قطبي الأزمة، المعارضة والنظام.

ورصد التحركات الإقليمية والدولية يشير إلى أن التعويل على مؤتمر جنيف، لإيجاد حل للأزمة المزمنة، لا يستند إلى  ما يمكن أن ينتهي إليه المؤتمر من مخرجات، بقدر ما يعول على الاتصالات التي سبقت وتلت الجولة الرابعة.

 فالتفاهم الروسي التركي الذي تحول إلى ترتيبات تضمن الهدنة العسكرية بين الأطراف المتصارعة على الساحة السورية، حقق على الصعيد العملي اختراقًا تجاوز كل ما حققته جولات جنيف المتعاقبة. كما أن الاتصالات الدبلوماسية التي تجري في المنطقة، وحولها، أكثر صدى  وتأثيرًا من الحشد الدولي الذي يلتئم في جنيف، دون اتفاق واضح على جدول الأعمال، ولا على من يحضر أو من يغيب.

كذلك فإن مشروع الدستور السوري الذي اقترحته روسيا، والذي شاورت فيه أطرافا دولية و إقليمية، والذي يفترض أن يكون الخلاصة التي يتفق عليها المتفاوضون في جنيف، يطرح اليوم للتداول بين القوى صاحبة التأثير في الأزمة، دون أن يكون  للنظام،  أوالمعارضة أي دور فعلي في صياغته، ناهيك عن قبول أو رفض ما فيه من تفاصيل يتفق عليها الكبار في الإقليم أو خارجه.

ما يجري في جنيف بين السوريين، هو نوع من ذر الرماد في العيون المفتوحة على عواصم القرار في الإقليم وخارجه، والدخان الأبيض الذي تستعصي رؤيته في جنيف، يتراءى من حين لآخر من بعيد  في عواصم أخرى، رغم أن مدى الرؤية  لا يزال ضعيفًا ، للدرجة التي لا يعرف فيها،  ما إذا كان هذا هو دخان الأزمة،  أم بشائر  الحل.

ما ورد في هذا المقال تعبير عن وجهة نظر الكاتب، ولا يعكس رأي موقع إرم نيوز‬‎

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات desk (at) eremnews.com