العالم تلفون

العالم تلفون

تاج الدين عبد الحق

 

مضى الوقت الذي كنّا نقول فيه إن العالم قرية صغيرة، فالعالم لم يعدْ كذلك، وبات أصغر من ذلك بكثير، فهو لا يتعدَّى شاشة هاتف متحرك، تصل من خلاله إلى كل شيء تقريبًا، ينقل بالصوت والصورة والكلمة -أولًا بأول- ما يجري حولك وبعيدًا عنك، مثيرًا لديك لحظة بلحظة، مشاعر الانفعال والدهشة، والغضب، والفرح دون أن تتحرك من مكانك،  لتتعايش مع الأحداث وكأنك جزءٌ منها، أو من صانعيها.

 هو جامعة، تتعلَّم منها  وتُعلّم فيها، ومدرسة تكتب وتقرأ فيها كل ما يخطرعلى بالك، بجميع الموضوعات، وبمختلف الأشكال، وتحصل من خلال البرامج المتوافرة -في كثير منها- على ترجمات لكل اللغات ومختلف اللهجات بحيث لا تحتاج بعدها إلى مترجم أو دليل.

 هو سوق  تبيع وتشتري فيه ما شئت، بدءًا من السيارة وحتى الإبرة، مستعرضًا من خلاله – قبل الشراء- المواصفات والمقاسات والألوان، وهو مستشفى وعيادة،  تفحص من خلاله بدنك، وتطمئن  بواسطته على صحتك، وهو -قبل ذلك وفوقه- عالم لا ينتهي من المعرفة والترفيه، وأرشيف غير متناهٍ،  كلوح محفوظ يعدّ عليك، بالكلمة والصورة الثابتة والمتحركة، أنفاسك وحركاتك.

وهو أيضا، وسيلة من وسائل تنفيذ الجرائم والترتيب  والتحضير لها، ورسم مخططاتها، وهو في المقابل دائرة بوليسية كاملة، تراقب من خلاله من تريد وكيفما تريد، ووقت ما تريد، وتحرس بواسطته أملاكك ومقتنياتك، وكأنك تعيش فيها حتى لو كنت بعيدًا عنها آلاف الأميال، وتفصلك عن الوصول إليها البحار والمحيطات.

هو اليوم بديل عن مهن سادت ثم بادت، وأجهزة كانت ثم اندثرت، وجيوش من الموظفين الذين يعرقلون أكثر مما ينجزون، من خلاله تنجز كل  معاملاتك بكفاءة ودقة، دون أن تحرك ساكنًا، ودون أن تتكبد مشقة الانتقال من دائرة إلى أخرى، أو من مكتب لآخر، هو بنك متكامل، تُغني التقنيات المتوافرة فيه عن حمل النقود، بل عن حمل بطاقات الائتمان والصراف الآلي، فمن خلاله تحوّل من حسابك إلى أي حساب أو جهة في العالم،  وبواسطته تبرم الصفقات، وتتبادل الوثائق.

هو مكتب استشاري وإداري، منه تحصل على استشارات من كل نوع، قانونية وطبية ومالية، وعن طريقه تدير كل أعمالك مهما كبُرت وتباعدت، وتنظم من خلاله اجتماعات وتدير ندوات دون أن تتكبد عناء أو تكاليف السفر.

في عالم كهذا تتبدل لوازم الحياة وتتغير، بشكل يقطع الأنفاس، من قال إن الفضائيات التي كنا نظنها عجيبة من عجائب الدهر،  باتت اليوم تحتضر، وغير قادرة على مجاراة البديل الذي يقدّمه الهاتف، بحسب الطلب وفي أي وقت، اسألْ الجيل الجديد كم من الوقت يقضي أمام التلفاز، وستفاجأ أن كثيرًا منهم لا يفتح هذا الجهاز، إلا نادرًا، أو قد لا ينتبه لما يعرض فيه حتى لو كان مفتوحًا.

التلفون هو البديل الذي يهدد كل وسائل الإعلام حتى الرقمية  منها، ناهيك بالطبع عن الأشكال التقليدية كالمطبوعات الورقية، ومحطات التلفزة والإذاعة، وحتى على مستوى المحتوى فإن التلفون يفرض بالتدريج هوية جديدة للإعلام، قائمة على اختصار المضمون، واستعجال الخلاصات ومعيار الأهمية في هذه الهوية، حجم  وشكل التفاعل إعجابًا أو تعليقًا، مع ما يعنيه ذلك على صعيد نوعية القرَّاء، وطبيعتهم المتعجلة للوصول إلى الخلاصات والاستنتاجات.

ثقافة الهاتف هي أيضًا مختلفة عن كل الأشكال التي عرفناها في السابق القريب والبعيد، هي ثقافة عالمية، الجزء المحلي فيها تفصيل نعرفه من خلال الإطار الكلي، هي ثقافة الاختصار بمقاس القارئ المتعجل، فيها يختلط النص المكتوب بالصورة الثابتة أو المتحركة، لتتجسد من خلال هذه الخلطة الأفكار بطابع واقعي وفعلي، لا كما اعتدناه واقعًا متخيلًا في صورة شعرية ضمن قصيدة أو قطعة غنائية أو نثر أدبي يرسم بالكلمات ما يتجاوز الواقع إلى ماهو متخيل.

الهاتف هو عالم الغد الذي بدأنا نعيشه اليوم، وهو -حتى إشعار آخر- حصان طروادة الذي نقتحم به المستقبل، لكنه بكل ما تحمله تطبيقاته الكثيرة من دهشة، فإن السرعة التي تتطور فيها استعمالاته لا تعطينا الجرأة على تخيّل ما تحمله الأيام من عجائب محتملة، بعد أن أصبح إيقاع  التغيّر العلمي أسرع، من إيقاع الخيال الأدبي الذي كان ”البوصلة“ التي بشَّرت دائمًا بكل  تطور مادي جديد، حتى  قبل وقوعه بسنوات، أو عقود عديدة.

ما ورد في هذا المقال تعبير عن وجهة نظر الكاتب، ولا يعكس رأي موقع إرم نيوز‬‎

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات desk (at) eremnews.com