الحامل السياسي الجنوبي

الحامل السياسي الجنوبي

يجب على القوى السياسية الجنوبية أن ترتقي إلى مستوى المسؤولية والحدث، بأن تسرع في لم الشمل في إطار سياسي جمعي.

المصدر: اللواء/ قاسم عبدالرب العفيف

في صيف العام 1994 م انهزم الجنوب بالجنوب، ولم يكن بقوة الشمال، وهذه حقيقة تاريخية معروفة لا يمكن لأحد أن ينكرها.. فقد كانت قوة الجنوب مشتتة ومنقسمة بين مختلف القوى الجنوبية المتصارعة منذ استقلال الجنوب، لذلك لم تكن الهزيمة من نصيب فريق جنوبي بعينه، ولكنها كانت هزيمة للجنوب بسكانه وثقافته وثروته وكادره الجنوبي العسكري والمدني.

كانت هزيمة للهوية الجنوبية التي تشكلت على مدى التاريخ البعيد.. فقد عبث القادمون المحتلون من الشمال بكل شيء بالتاريخ والجغرافيا، وانتزعوا الوظيفة وسرّحوا عشرات الآلاف من عسكريين ومدنيين، وأيضاً انتزعوا الثروة التي تراكمت بسواعد الجنوبيين ووزعوا المصانع والموانئ والمطارات والجبال والصحارى وقطاعات النفط والغاز والأسماك فيما بينهم.

ولم يبق للجنوبيين شيء سوى السماء والهواء وأصبحت الأرض تتحرك من تحت أقدامهم لا يجدون مسكناً ولا مأوى لهم إلا ما تفضّل به السادة المحتلون الجدد، وشمل ذلك حتى الجنوبيين الذين ساندوهم في تلك الحرب.

لم يخضع شعب الجنوب، بل نهض سريعاً ليفتش عن أوراق القوة في مخزونه التاريخي، ولم يجد غير العودة إلى حالة التصالح والتسامح والتضامن، التي يشكل بها قوته الحقيقية في التصدي للموقف، وكانت انطلاقة الحراك الشعبي السلمي الجنوبي إحدى أدواته الرئيسة في النضال، التي ملئت بها ساحات الجنوب في عدن والمهرة وحضرموت وشبوة وأبين ولحج والضالع وسقطرى، ليقدم فيها الشعب عروض التضحية والفداء.

وهنا سقط الآلاف من الشهداء والجرحى، بهدف استعادة الدولة وهويتها الجنوبية، وهم يهتفون بصوت واحد ”ثورة ثورة يا جنوب“، وظل الشارع الجنوبي موحداً بالأهداف والأداء الثوري، رغم تعدد المكونات وكثرة القادة والمؤسسين والزعماء والرؤساء والأمناء العامين، التي أنتجتها تجمعات العسكرية وزنجيار وعزان والمكلا وعدن.

وكان الجميع في الساحات يتطلعون إلى توحيد الصف والكلمة تحت هدف استعادة الدولة بهويتها الجنوبية الجامعة، لتكتمل عظمة الحراك وتضحياته، التي أبهرت الإقليم والعالم، لكي يتم التحدث نيابة عنه أمام الغير، ولتعبر عن تطلعاته وآماله وطموحاته في الحرية والاستقلال، كون العالم لا يستطيع أن يتفاهم مع عشرين زعيمًا وقائدًا ورئيسًا ومؤسسًا وأمينًا عامًا.

وكانت الضرورة الحتمية تجبر الجميع على توحيد الصف، ولكن لم يحدث ذلك مع الأسف، كانت اللحظات قاسية، رغم بعض المحاولات اليتيمة في جمع الصف، ولم تكلل بالنجاح، وذلك دراء للأخطار المحدقة بالجنوب.

داهمت الحرب ديار الجنوب، وتدفقت أرتال الغزاة الجدد القادمين من جبال مران وعمران وصنعاء وذمار، في تحالف طائفي مقيت، بين المخلوع الذي ملأ الدنيا ضجيجًا أيام حكمه بأنه حامي الثورة والجمهورية والوحدة، وبين السيد الذي يدعي وراثة الحكم الأمامي البائد محاولًا اكتساح مدن الجنوب واحدة تلو الأخرى حتى الوصول إلى عدن، تحت ذريعة محاربة الدواعش والقاعدة تحت القيادة المباشرة لإيران وكيلة النظام العالمي الجديد والتي كان همها الأساس الاستيلاء على عدن وباب المندب وبحر العرب ولا غير ذلك.

وكانت المعجزة الجنوبية أن تم التصدي لهذه الجحافل الغازية في مقاومة جنوبية تلقائية، كل في موقعه، بالإمكانيات الذاتية المتوفرة، وتم بفضل الله عز وجل ثم صمود أبناء الجنوب، وبدعم غير مسبوق من قبل دول التحالف العربي، وبالأخص المملكة العربية السعودية ودولة الإمارات العربية المتحدة، تحرير معظم أراضي الجنوب وأصبح الجنوبيون سادة أرضهم.

وبعد سنتين من التحرير، طال الانتظار لإشهار حامل سياسي جنوبي جامع، وهنا نتطلع إلى أن تقوم القوى الجنوبية الفاعلة على الأرض بانتهاز اللحظة التاريخية في توحيد الصف الجنوبي يمثل السكان والأرض، تظهر له قيادة تمثل الجنوب في أي مفاوضات واستحقاقات قادمة بعد أن تضع الحرب أوزارها.

هذه فرصة ثمينة يجب ألاّ تهدر في صراعات بيزنطية، حيث يتمترس البعض حول مصالح شخصية أو فئوية أو مناطقية، إن ضمان الأمن والاستقرار في المنطقة بوجود جنوب متحدٍ، وأي تفكير مناطقي ضيق سيخدم أجندة أعداء الجنوب، وبالتالي سيلتهم العدو تلك الكيانات الهزيلة واحدة تلو الأخرى وحينها لن ينفع الندم.

ليتفكر الجنوبيون لماذا وقفت آلية تحرير المناطق عند حدود الجمهورية العربية اليمنية، منذ عام مضى، رغم توفر الدعم الهائل من قبل دول التحالف، ووجود أكثر من مئة الف جندي في مأرب مزودين ومجهزين بكافة الأسلحة والمؤن التي تمكنه من اكتساح العاصمة صنعاء وأبعد من ذلك.

لكن يخيل لي أن جيش مأرب والجيش المقابل، من قوات المخلوع والحوثيين، في حالة تراشق بالنيران، وهذه تعتبر أرقى حالات التفاوض بين الإخوة الأعداء، وعندما يصلون إلى نتائج توافقية ستلتحم الجيوش الثلاثة والتي سيكون تعدادها ما لا يقل عن نصف مليون مقاتل وقوامها يمثل لوناً واحداً ينتمي إلى مناطق قبيلية وطائفية واحدة وهدفها الوحيد معروف للجميع.

لذا، يجب على القوى السياسية الجنوبية أن ترتقي إلى مستوى المسؤولية والحدث، بأن تسرع في لم الشمل في إطار سياسي جمعي، وتكون المهمة الرئيسة هي الالتحام مع السلطات المحلية في المحافظات المحررة بدعمها لإعادة بناء أجهزة الدولة الجنوبية المدنية والعسكرية، وتصفيتها من أزلام ”عفاش“ والفاسدين، وأن يقوم هذا الإطار بتقديم نفسه كمفوض من قبل شعب الجنوب للعمل والتنسيق مع الرئيس عبد ربه منصور، وأيضاً دول التحاف، وبالذات المملكة العربية السعودية ودولة الإمارات العربية المتحدة، والتشاور معهم فيما يخص دعمهم لبناء جهاز الدولة وتحقيق الأمن والاستقرار على أرض الجنوب، والتشاور حول استحقاقات ما بعد الحرب، خاصة وهي على وشك أن تضع أوزارها.

بالمناسبة، لا أحد ينتظر أحداً، إذا لم تقم بترتيب بيتك سيأتي من يقوم بالترتيب على طريقته الخاصة، والآن الكرة في ملعب الجنوبيين، أما أن يسيروها نحو تحقيق الهدف أو أنهم سيخرجون من الملعب، لهذا فإن التقاط اللحظة التاريخية تعتبر من أهم أولويات كل جنوبي حريص على قضيته، عندها سيفوت الفوْت، وستضيع تضحيات الآلاف هدراً وسيهزم الجنوبيون الجنوب مرة أخرى.

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات desk[at]eremnews[dot]com