عبده مشتاق في سدة الرئاسة اللبنانية

عبده مشتاق في سدة الرئاسة اللبنانية

يذكّر سعي الجنرال ميشال عون للوصول إلى الرئاسة اللبنانية، بالشخصية الكاريكاتورية التي ابتدعها الكاتب المصري الساخر أحمد رجب في الثمانينات من القرن الماضي، ورسمها رسام الكاريكاتور المعروف الفنان مصطفى حسين، وأطلق عليها اسم عبده مشتاق، الذي يجسد مستوزرا، يظل منتظرا إلى جوار التلفون بانتظار مكالمة ترشحه لمنصب وزاري.

فعلى مدى عشر سنوات والعماد عون ينتظر كلمة السر التي تحمله إلى سدة الرئاسة، وفي سبيلها جرب مختلف التحالفات واخترق كل الحواجز السياسية والطائفية طمعا في المنصب. ومنذ عودته من منفاه في باريس وهو يتصارع مع هذا ويتحالف مع ذاك، دون أن يكل أو يمل، حتى وهو على أعتاب الثمانين.

حارب سوريا ووقف ضد وجودها في لبنان، قبل أن يتحول إلى حليف لها، ومدافع عنها، تحالف مع حزب الله نكاية بخصومه المسيحيين وطمعا بالأكثرية التي توفرت للحزب في مجلس النواب، فلا استفاد من الخصومة ولا ربح من التحالف.

 ظلت خصومته مع القوات اللبنانية التي يرأسها سمير جعجع قائمة بلا هواده، ليتحول “الحكيم” إلى حليف بمجرد أن أعطاه المباركة للترشح للرئاسة.

اليوم يأتي الدور على الرئيس سعد الحريري. لكنه لم يكن كالآخرين. لم يعط دعمه للجنرال بالمجان، بل لعله كسب سياسيا أكثر مما خسر، وهو يعلن كلمة السر التي قربت الجنرال من سدة الرئاسة.

فعون، الذي حركته منذ البدء طموحات شخصية للوصول إلى قصر بعبدا، يجد نفسه اليوم، بعد أن “بلغت اللقمة الفم”، مكبلا بأغلال من التحالفات السياسية المتناقضة، حيث يحتاج إلى استرضاء الحليف القديم، وكسب ثقة الصديق الجديد.

هذه المهمة ليست سهلة على رجل مثقل بخلافات من كل نوع، مع كل أطراف المعادلة السياسية، والطائفية اللبنانية. وحتى في ظل التطورات الأخيرة، التي فتحت له جسورا مع أطراف مسيحية وسياسية كان له معها سجالات وخلافات، ظلت تلك الجسور غير ثابته ولم تعطه فرصة المناورة التي تجعله يستفيد من الدعم الأخير الذي تلقاه من زعيم تيار المستقبل.

في المقابل فإن سعد الحريري، استرجع زخما سياسيا، أعاده بقوة إلى بورصة رئاسة الحكومة لا طالبا وساعيا لها، بل مخرجا مطلوبا، وحلا وعلاجا لمرضها المزمن.

وللمرة الأولى، منذ اغتيال والده الرئيس رفيق الحريري، يتولى سعد الحريري دور المنقذ والمخلص، الذي لا يعتمد على أكثريته، ليأخذ على عاتقه، وبعيدا عن الحسابات الحزبية والتحالفات السياسية الضيقة، مبادرة من خارج السياق، وعلى شكل مغامرة غير محسوبة النتائج، ولا محمودة العواقب.

شروط سعد الحريري لدعم عون، تعكس حالة عدم الثقة بين الرجلين أكثر من كونها تتويج لتفاهم بينهما، فالحريري حفظ من خلال هذه الشروط خطا للرجعة، خاصة وأن تفاهمه مع عون يأتي من خارج المظلة السعودية التي كانت تتحفظ دائما على اختيار العماد عون، وترجو رئيسا آخر ليست له علاقات بحزب الله، الذي تعتبره السعودية ودول عربية كثيرة خندقا متقدما لإيران.

ولعل وصف الرئيس الحريري دعمه لعون بـ “المقامرة”، هو تعبير عن حالة الشك الشديد في صفوف أنصاره لإمكانية نجاح التوافق مع الجنرال. وهذا ما يفسر المعارضة الصريحة أو المكتومة من قبل رموز وقيادات في تيار المستقبل لانتخاب عون الذي سيكون مطالبا بأن يثبت أن تحالفاته القديمة ليست قيدا على حريته الرئاسية، ولا عقبة أمام توافق اللبنانيين.

معركة الرئاسة، التي استعصت على الأفرقاء لأكثر من عامين، لن تكون نهاية المطاف للخلافات القائمة بين القوى السياسية حتى لو وصل الجنرال إلى قصر بعبدا، فالتوافق على عون رئيسا لا يعني إعطاءه شيكا على بياض للتصرف بباقي استحقاقات الرئاسة وتبعاتها.

عون أمام خيار بين تحالفه القديم مع حزب الله، وبين الدعم الجديد لترشيحه من قبل الحريري، والاختيار بين هذه وتلك سيكون صعبا، وقد تجعل فترة رئاستة، إن تحققت، فترة عصيبة من التجاذبات أو حتى الخلافات، وقد ينتقل الاستعصاء من مشكلة الشغور الرئاسي إلى مشكلة التشكيل الحكومي الذي سيكون شكل السجال المقبل بين الحليف القديم والداعم الجديد.

وحتى لو أمكن تشكيل الحكومة، فإن سياسة هذه الحكومة ستصطدم بالشرط الثاني الذي وضعه الحريري لدعم الجنرال، وهو النأي بالنفس عن الأوضاع في سوريا. الوضع في سوريا ليس قرارا سياسيا يتخذه الرئيس، بل سلوك قد يغير معادلة التحالف بين الرئيس المنتظر وحزب الله المنخرط حتى النخاع في الأزمة السورية.

وإذا أضفنا إلى ذلك الشرط الثالث المتعلق بالإنماء والإعمار، فإن العهد الرئاسي القادم سيجد نفسه في سجال إما على الأولويات أو حول العلاقات الخارجية التي تتطلبها عملية تمويل وتنفيذ مشروعات الإعمار، التي يحتاجها لبنان بإلحاح، وينتظرها اللبنانيون بفارغ الصبر.

ما ورد في هذا المقال تعبير عن وجهة نظر الكاتب، ولا يعكس رأي موقع إرم نيوز‬‎