محمد بن راشد يحاسب نفسه

محمد بن راشد يحاسب نفسه

المصدر: تاج الدين عبد الحق

لم يطلب أحد من الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، نائب رئيس دولة الإمارات ورئيس مجلس الوزراء حاكم دبي، تقديم كشف حساب عن الفترة التي مضت على رئاسته للحكومة الإماراتية، ولم تكن الأرقام التي ساقها وهو يعدد إنجازات حكومته، مفاجئة لأحد، خاصة وأن الأرقام والنسب الواردة في الرسالة التي وجهها الشيخ محمد لشعب الإمارات، خلت من طابع التباهي بالإنجازات، وركزت في جانب رئيس منها على التحديات التي تواجه الحكومة في السنوات الخمس المقبلة، والتي ستحتفل دولة الامارات بنهايتها، باليوبيل الذهبي على قيامها.

مكاشفة الشيخ محمد بن راشد لشعبه، لا تعكس روح المسؤولية التي يتحلى بها الرجل فحسب، بل تلخص أسلوبه في القيادة، وطريقته في إدارة الشأن العام، لا كرئيس للحكومة فقط،  بل كحاكم لإمارة دبي وكلاعب رئيس في التطور الذي شهدته منطقة الخليج العربي، وفي المكانة التي تحتلها على خريطة الاقتصاد العالمي لا كخزان للنفط، بل كمحرك للتجارة العالمية ومركز من أهم  المراكز الدولية لخدمات السياحة والدعم اللوجستي.

مَن قرأ كتاب الشيخ محمد بن راشد ”رؤيتي“ غداة توليه حكم إمارة دبي، لا بد أنه فهم دلالات الحكاية التي أوردها في مقدمة الكتاب عن السباق بين الأسد والغزال، في صراع أزلي من أجل البقاء، الأسد يسعى وراء الغزال للظفر به فريسة تبقيه حيًا، فيما الغزال يركض أمام الأسد هربا من الموت، وتعلقا بالحياة.

محمد بن راشد في سيرته الشخصية، وحياته العملية، لخص الحكاية وجسدها . منذ أن تسلم أمانة الحكم في دبي، وحتى بعد أن أصبح نائبا لرئيس دولة الامارات ورئيسا لمجلس الوزراء فيها . وبروح الفارس الذي أجاد حصد المراكز الأولى في السباقات التي خاضها منذ نعومة أظفاره،  تولى المسؤولية العامة باعتبارها سباقًا نحو الأفضل وسعيًا للمركز الأول  .

في العادة، فإن الزمن عدو لأولئك الذين يعتبرون المسؤولية تشريفا لا تكليفا، وحقا لا استحقاقا . وفي الحالات التي يتباطأ فيها تداول السلطة، فإن المسؤولية تتحول إلى روتين، سمته الوهن والضعف، ولحمته وسداه الفساد والترهل.

محمد بن راشد، أدرك مبكرا أنه سيكون فريسة سهله للزمن، إن هو استسلم لحلوله التي تأتي ولا تأتي، فاختار ملاقاته بالابتكار والتجدد،  ليصبح بالطريق التي اختارها،  بشرى دائمة للمستقبل الواعد، والغد الآتي، ونموذجا دائما  يجهد الآخرون للحاق به، والسير على منواله .

ملة المسؤولية عند محمد بن راشد ملة واحدة، لا يهم الموقع الذي تعمل فيه بقدر أهمية قدرتك على جعله مثالا للآخرين. احتفى أحيانا بجندي مجهول خلف الكواليس، وأطاح بالوقت نفسه بمسؤولين بارزين كانوا يملؤون الشاشات والصحف بصورهم وتصريحاتهم. وقف عامل النظافة ورجل الإطفاء على منصة التكريم، فيما توارى خلفها من غرّهم المنصب، ورضوا بمغنم السلطة،  دون مغرمها.

بروح المسؤولية نفسها التي يشيعها بين مرؤسيه، قدم الشيخ محمد بن راشد كشف إنجازات حكومته بأرقام لا تكذب، رغم أنه يعلم أن عين الرضا عن أدائه، وأداء فريقه الوزاري، بعيدة عما كشفته رسالته من تحديات تنتظر الإنجاز.

لم يقدم الشيخ محمد بن راشد تقريره خوفًا من المحاسبة، أو طمعًا في تقدير، لكنه يدرك أنه لو لم يفعل، فإنه  لن يكون جديرًا بالتقدير الذي يحمله له شعبه، ولن يكون قادرًا على حمل الأمانة، والوفاء بالوعد، وتقديم النموذج الذي يقتدي به من يعاونه من الجيل الحالي، ومن يترسم خطاه من الأجيال المقبلة.

ما ورد في رسالة محمد بن راشد لشعبه ليس هو الحكاية، فالاماراتيون، لا يسمعون بإنجازات الحكومة، بل يتنعمون بها بالفعل.

الرسالة هي نموذج من نماذج الإدارة المستنيرة، التي عز مثيلها، لا في عالمنا العربي فقط، بل على مستوى العالم، أيضا.

ما ورد في هذا المقال تعبير عن وجهة نظر الكاتب، ولا يعكس رأي موقع إرم نيوز‬‎

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات desk (at) eremnews.com