موسم عكاظ الأممي

موسم عكاظ الأممي

تاج الدين عبد الحق

دورات الجمعية العامة للأمم المتحدة، مثل صندوق الدنيا، الذي كان تسلية لأطفال زمان. فهي أقرب للمناسبة الاستعراضية منها للحدث السياسي، ومتابعتها تكون في معظم الحالات من باب الفرجة والتسلية، لا توقعًا لنتائج أو انتظارًا لقرارات. وهي في كل الأحوال تظل موسمًا عكاظيًا، تتداعى لحضوره وفود من جميع أنحاء العالم، وتتقاطر للمشاركة فيه دول لا تغيب عنها الشمس، ودول لا تعرف مكانها إلا بشق النفس.

كانت الدورات إلى عهد قريب  تؤرخ،  بما يحصل فيها من نهفات وطرائف، لا بما يتخذ فيها من قرارات ومواقف، وكانت التفاصيل الصغيرة في كثير من الأحيان أهم من العناوين  الكبيرة، والأشخاص أهم من الأحداث. وظل  ما يجري على هامشها أهم مما يجري داخلها. ورغم أن أجندة الأعمال، كانت حافلة على الدوام، إلا أنها لم تزد في أي دورة، عن كونها بنودًا مستدامة لا يناقشها أحد، ولا ينتظر منها أي  نتيجة.

وقد ظل الإعلام عامًا بعد عام، يتابع ما يفعله المشاركون في الاجتماعات، أكثر مما يقولونه في المناقشات، وكانت الصورة العفوية أبلغ من الكلمة المكتوبة، فسباق التسلح الذي لا يزال مدرجًا في جدول الأعمال منذ تأسيس المنظمة الدولية عام 1945، تحوّل بطول المقام، إلى حديث ممل، لم يأخذ من الاهتمام ما أخذه  إقدام رئيس الوزراء السوفيتي الأسبق نيكتا خروشوف، على خلع حذائه، والضرب به على المنصة لإسكات رئيس الوفد الفلبيني الذي كان يحتج على السياسات السوفيتية.

ولم تأخذ قضية كشمير التي لا تزال مصدر تهديد للسلام في شبة القارة الهندية، من الاهتمام ما أخذه حادث سقوط كريشنا مينون وزير خارجية الهند في عهد نهرو،  مغشيًا عليه بعد خطاب استمر ثمان ساعات متواصلة. ولم تتحرك قضية فلسطين التي لا تزال مدرجة منذ ما قبل النكبة عام 1948، وحتى اليوم، قيد أنملة، فظلت أسيرة للصيغة الاستعراضية، التي طرحها الرئيس الفلسطيني الراحل ياسر عرفات في السبعينات، عندما وقف بكوفيته المميزة ولباسه الكاكي، رافعًا غصن زيتون بيد، وبندقية باليد الأخرى، ليعلق الشعب الفلسطيني منذ ذلك الوقت، بين سلام مستحيل، وحرب غير ممكنة.

كان حضور بعض الشخصيات العالمية البارزة لدورات الأمم المتحدة، نوعًا من المناكفة بين المعسكرين، أو رغبة في الخروج من العزلة أو كسرًا للحصار. هكذا جاء الرئيس الكوبي السابق فيديل كاسترو، مطلع الستينات، لاختراق العزلة التي فرضتها عليه الولايات المتحدة، لكن خطاب أربع الساعات الذي ألقاه في تلك الدورة، لم ينجح في إخراج كوبا من عزلتها، ولا إحراج الولايات المتحدة، فظلت متمسكة بالحصار الخانق، حتى مجيء الرئيس الحالي راؤول كاسترو.

الزعيم الليبي معمر القذافي الراحل، كان لشخصيته المثيرة للجدل، نصيبٌ من تلك المماحكات عندما مزق على المنصة الدولية ميثاق الأمم المتحدة، بعد خطاب مرتجل استغرق أكثر من مئة دقيقة، أحرج فيه وزير خارجيته في ذلك الوقت علي عبدالسلام التريكي الذي تصادف أنه كان رئيسًا للجمعية العمومية.

الرئيس الإيراني السابق أحمدي نجاد كان هو الآخر من بين الزعماء الذين أثاروا في الأمم المتحدة زوابع لم تتجاوز رغم تنوعها الفنجان المر، الذي شربه وهو يرى وفود 32 دولة تنسحب من القاعة أثناء إلقاء خطاب بلاده في اجتماعات دورة الجمعية العامة للأمم المتحدة العام 2011.

في تاريخ اجتماعات الأمم المتحدة تبدلت الأدوار وتغيرت المواقع. بدت في كثير من الأزمات شاهد زور، رغم أنها الأمينة على تطبيق القانون الدولي، فتبنت قرارات حَكمها التوافق السياسي بين من لديهم الحصانة وقدرة الرفض والقبول، لا الانتصار للحق والعدل. وكانت في الوقت نفسه، عقبة لمنع صدور قرارات بشأن بعض الأزمات، وكلف ترددها في اتخاذ القرار المناسب في الوقت المناسب الكثير من الموارد البشرية والمادية، التي ما زال العالم  يذكرها ويتحسر عليها.

الأمم المتحدة التي تبدأ هذا الأسبوع دورة جديدة من دورات جمعيتها العمومية ظلت موزعة، بين شهادة الزور، وضعف الحيلة، وبسبب هذه الازدواجية فتح الباب أمام بدائل لمؤسسات رديفة أو بديلة، تتحكم بالقرار الدولي.

فمن مجموعة الثماني الكبار، إلى مجموعة العشرين، تتوالد صيغ عمل دولية جديدة، لعالم لم يعد فيه على مايبدو مكان إلا للكبار الذين باتوا يرون المنظمة الدولية، صيغة بالية لا تناسب مقاسهم، ولا ترضي غرورهم.

ما ورد في هذا المقال تعبير عن وجهة نظر الكاتب، ولا يعكس رأي موقع إرم نيوز‬‎

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات desk (at) eremnews.com