قراءة فيما وراء خطة كيري لحل الأزمة اليمنية

قراءة فيما وراء خطة كيري لحل الأزمة اليمنية

المصدر: قاسم عبد الرب العفيف

لا تختلف خطة كيري عن ما كان يصر عليه وفد الانقلابيين في مشاورات الكويت، وقد جاءت متطابقة بشكل كامل عدا تسليم السلاح لطرف ثالث، هذا الطرف لا أحد يعرف مَن هو؛ هل هو محلي أو إقليمي أو دولي أو خليط من هذا وذاك؟!.

 رفْضُ الانقلابيين نتائج مشاورات الكويت التي عرضها ممثل الأمين العام للأمم المتحدة اسماعيل ولد الشيخ وَضَعَهم ومَن يدعمهم في الإقليم والعالم في مأزق خطير؛ كونه حدد وبشكل واضح خطة تنفيذ القرار 2216 الذي أصدره مجلس الأمن الدولي؛ وهنا لا يجب أن يغيب عن بالنا ما حصل من تداعيات بعد ذلك في مجلس الأمن وتعطيل إصدار بيان رئاسي بعد انتهاء مشاورات الكويت مباشرة(…).

والآن وقد جاءت هذه الخطة عبر وزير الخارجية الأمريكي بهذا الشكل المطروح، ولا نعرف حتى الآن ما إذا كانت محل مقايضة لأطراف أخرى في أزمات أخرى في العالم والإقليم، وسيتضح الأمر لاحقا؛ المهم أن الخطة تعتبر إنقاذا لهم للخروج من المأزق الذي وضعوا أنفسهم فيه.

وفي المقابل وضعت الشرعية في مأزق كبير سواء رفضَتها أو قبلتها، وفي كلا الحالتين ستكون أمام استحقاقات مُرّة وفي حقيقة الأمر هي مَن وضعت نفسها في هذا المأزق؛ كونها لم تستطع أن تحقق أي نصر على الأرض وخاصة في محافظات الشمال لتقوّي موقفها التفاوضي.

الكل يتساءل ما هي الآلية التي ستنفذ بها خطة كيري وهي غير معروفة حتى الآن؟ وهل يمكن أن تحقق اختراقا في الوصول إلى إلزام الانقلابيين بالعودة إلى ما قبل 21 سبتمبر 2014 والالتزام بقرارات مجلس الأمن الدولي والعودة إلى المرجعيات المتفق حولها؟

أعتقد أن ذلك سيكون من المعجزات الخارقة التي لا يستوعبها العقل. الواقع يقول، إن هؤلاء لم يكن واردًا في أجنداتهم العودة عن ما أقدموا عليه من الانقلاب على الشرعية؛ ولكن لديهم الاستعداد لقبول أي معارضة لهم تريد أن تنضم إليهم لتشاركهم في السلطة.. ولِمن يريد أن يفهم الواقع فإن عجلة الانقلاب قد سارت في طريقها ولديها أرض تتحكم فيها ولديها حلفاء إقليميون ودوليون بهدف السيطرة على هذا الجزء من الجغرافيا، الذي يشكل حلقة هامة في الأمن القومي العربي.

ولكي نقرّب الصورة، فقد كانت هناك ممانعة دولية من نقل البنك المركزي اليمني من تحت سلطة الانقلاب، وكان ذلك مؤشرا كبيرا على أن تلك الممانعة تصب في مصلحتهم؛ إذ مكنتهم من أن يموّلوا انقلابهم واستطالة الحرب، وعليه فإن المراقبين يعتبرون هذه الخطة دافعا قويا لتمديد سلطة الانقلابيين وشرعنة بقائهم.

وهنا نضع سريعًا بعض الملاحظات حول هذه الخطة:

أولا-  جاءت هذه الخطة لتتجاوز قرارات مجلس الأمن، والتي تدين الانقلاب على الشرعية وتطالب بالعودة عن ذلك، لكنها ساوت في المسؤولية بين الشرعية والانقلابيين على حد سواء.

ثانيا-  تجاوز قرارات مجلس الأمن يعني الخروج عن الإجماع الدولي والعمل بشكل منفرد، وهذا سيحدِث ثغرة في جدار مجلس الأمن يمكن للانقلابيين استغلالها واللعب عليها لتثبيت أجنداتهم على الأرض.

ثالثا- جاءت الخطة ولم يتبق للإدارة الأمريكية الحاليّة إلا أسابيع محددة، وستكون منشغلة في الانتخابات الرئاسية والتسليم والاستلام للسلطة، ولهذا سيكون الدور الأمريكي منعدما تماما.

رابعا – جاءت الخطة ولا زال الانقلابيون يحتلون العاصمة ومساحات شاسعة من الأرض في المحافظات الشمالية، ولديهم القدرة على المناورة القتالية على جميع الجبهات، وهذه بالمحصلة ستقوي موقفهم على الأرض وكذا موقفهم التفاوضي.

خامسا – جاءت خطة كيري، والشرعية لم تحقق أي نصر يذكر في محافظات الشمال؛ رغم الدعم الهائل الذي تقدمه دول التحالف من سلاح وعتاد ودعم جوي شامل وغيره، وكذا دعم لوجستي وحشد الآلاف من الجيش الوطني والمقاومة؛ وهذا يشكل نقطة ضعف الشرعية في المفاوضات المقبلة.

سادسا – الخطة تجاهلت النصر الذي تحقق في المحافظات الجنوبية من قِبل المقاومة والجيش الوطني الجنوبي بإسناد فعّال من قوات التحالف، وكأن هذا الذي حدث خارج إطار الجمهورية اليمنية، وجاءت الخطة لتعيد فرقاء الصراع في صنعاء إلى تقاسم السلطة فيما بينهم، وتجاهلت أن هناك جَنوبًا يقف اليوم نِدًا في أيّ مفاوضات مقبلة.

سابعا- جاءت الخطة لتشرك الانقلابيين في السلطة، وهذا يتنافى مع قرارات مجلس الأمن ومخرجات الحوار الوطني والحقائق التي تشكلت على الأرض، ويرى المراقبون أن ذلك كان مكافأة لهم على ما قاموا به؛ من دمار للمدن والاقتصاد ودون مراعاة لمشاعر الآلاف من القتلى والجرحى.

ومع كل تلك الحقائق، نلاحظ المراوغة والدلع الزائد من قبل الانقلابيين في وضع الشروط التعجيزية قبل الموافقة على القبول بهذه الخطة، والتي أتت لإنقاذهم وإخراجهم من المأزق الذي وضعوا أنفسهم فيه، ولكن في نهاية المطاف سيعلنون موافقتهم على الخطة مع تحفظهم على تسليم السلاح لطرف ثالث؛ والذي يعتبر مدخلا لضياع الوقت في المناقشات حتى يحصلوا على تنازل جديد أثناء الحوار من قبل الشرعية؛ والتي هي جاهزة وأبدت استعدادها للحوار، وهي لا تدري أن ذلك سيقودها إلى فقدان شرعيتها أو تلاشيها مع الزمن.

قبل تنفيذ الخطة سيشترط وقف العمليات القتالية برًا وبحرًا وجوًا، وستلتزم الشرعية بوقف الأعمال القتالية ومِن ورائها قوات التحالف، لكن مَن سيلزم الانقلابيين بوقف عملياتهم الحربية؟ والخبرة السابقة تقول إنهم لا يلتزمون بأي تعهد وسيكون المسرح العسكري مواتيا معهم وستنهال عليهم المساعدات من حلفائهم، وبالتالي سيكون الوضع ممهدا لهم للانقضاض على بقية المناطق الخارجة عن سيطرتهم؛ من خلال افتعال أعمال إرهابية كبيرة تستدعي تدخلهم لفرض الأمن والاستقرار؛ خاصة وأنهم يملكون ترسانة عسكرية هائلة وتم تجنيد عشرات الآلاف لتعبئة المؤسسة العسكرية والأمنية (…) والإرهاب هو الورقة الرابحة التي بأيديهم، وهم قد زرعوه في المحافظات الجنوبية من خلال تواجد سلطتهم من بعد حرب 1994.

ومع مرور الوقت وتطويل الحوارات، ستتعزز سلطة الانقلابيين بقوة هذه الخطة غير الواضحة المعالم، وكالعادة سيتم تغيير المواقف بين السياسيين؛ ومن خلال الخبرة لعقود سبقت هناك من تعوّد التنقل من موقع إلى آخر بسهولة تامة، والتخلي عن أيّ مبادئ سابقة.

لهذا نحذّر من تجاهل وضع الجنوب؛ لأنه سيظل قلعة عصية أمام أيّ حلول لا تتوافق مع مصالحه؛ لأنه ببساطة لن يقبل العودة إلى حظيرة صنعاء؛ وَكْر الفوضى والقبلية والإرهاب والذي عانى منه الجنوبيون طوال عقدين من الزمن، من خلال الغزو الأول عام  94 والغزو الثاني عام 2015، والذي تصدى له شعب الجنوب ببسالة، وقدّم التضحيات من أجل  حُرّيته وانعتاقه من العبودية والتخلف.

لذا نقول، لقد وقفت عجلة تحرير اليمن من الانقلابيين عند عتبة حدود ما كان يُدْعى الجمهورية العربية اليمنية، وهذه رسالة واضحة المعالم لمن يريد أن يقرأها بشكل صحيح، ولم يكن ينقص الشرعية الدعم الذي قدم لهم من قبل التحالف في المجالات كافة؛ والذي يكفي لتخطي كل موانع الدنيا! فما بالك بمحافظات تفتقر إلى المقوّمات الأساسية في المقاومة (…) وهذه هي المسألة التي يجب أن يقرأ الجميع ما وراءها من أسباب وموانع وأهداف.

ما ورد في هذا المقال تعبير عن وجهة نظر الكاتب، ولا يعكس رأي موقع إرم نيوز‬‎

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات desk (at) eremnews.com