مدونات

الدكتاتور عبد الباري عطوان
تاريخ النشر: 11 يوليو 2013 10:58 GMT
تاريخ التحديث: 08 أبريل 2015 10:41 GMT

الدكتاتور عبد الباري عطوان

الدكتاتور عبد الباري عطوان

المقتضيات المهنية تتطلب القول بأن صحيفة القدس العربي بالرغم مما حققته من نجاح مهني وسمعة طيبة في اوساط الصحافة وبين القراء تظل صحيفة الرجل الواحد.

+A -A

من أكثر ما يعتز به الصحفي ، أن يكون صانعا للحدث ، لا مخبرا عنه ، أن يكون أمام الكاميرا لا خلفها . لكن الوصول إلى هذا المستوى ”دونه قدح القتاد“ كما يقولون .  خطر ببالي ذلك وأنا أقرأ نبأ استقالة الزميل الاستاذ عبد الباري عطوان من رئاسة القدس العربي والدولي ، فالصدى الواسع الذي تركه قرار الاستقالة وربما الإقالة، أظهر بوضوح المكانه التي حققها الزميل العزيز والتأثير الواسع لتجربته في مختلف الأوساط . هذا التقييم لم يكن بوحي الخبر المفاجيء بل كان ضمن النقاط التي سجلتها وأنا أضع قائمة بالاشخاص  والوقائع التي ستكون موضوعا للزاوية الاسبوعية من هذه المدونة و المخصصة للحديث في شؤون وشجون الآعلام التي تستوحي مما في الذاكرة والتجربة من مواقف وحوادث امتدت على مدى اربعة عقود   .

تعرفت على الاستاذ عطوان  لإول مرة في إحدى قمم مجلس التعاون الخليجية،  ولعلها كانت في قطر، يومها لفتت  كياسته انتباهي . فقد أبدى إعجابا بموضوع لي في الشرق الاوسط ، حيث كنت أعمل ، وكانت هذه اللفتة  ، كفيلة بكشف جانب انساني لم يكن واضحا  لي،  في اطلالاته التلفزيونية أو مقالاتة ،   ثم توالت لقاءاتي به في ابوظبي  ودبي حيث كان يتردد عليها زائرا أو مشاركا في مؤتمر أو برنامج تلفزيوني ،كما التقيت به مرارا في مناسبات من الصعب حصرها،  . الانطباعات التي سجلتها من حصيلة  تلك اللقاءات ، تراوحت بين الاعجاب والاشفاق . أما الاعجاب فهو إعجاب  يماثل إعجاب قرائه ومشاهديه خاصة في الاوقات الصعبة التي  كنا نحتاج فيها إلى من يقرأ لنا ما بين السطور،  وأن يشرح لنا ما وراء الصورة . صحيح أنه كان متحمسا في بعض المواقف والاراء ، وأنه كان غاضبا وساخطا في أحيان كثيرة ، إلا انه في حماسه وغضبه كان يعبر عن شريحة واسعة من الناس، وكنت ارى في ذلك نتيجة طبيعية لتجربة انسانية ومهنية قاسية ومريرة ،  ابدع في عرضها في كتاب سيرته الذاتية “ وطن من كلمات “  . 

أما الاشفاق فقد كونته من إحتكاكي به وتواصلي المباشر معه . فالرجل بدا لي عندما رأيته أول مرة يسبح عكس التيار ، ويصر على اللعب مع الكبار ، الذين يفوقونه مواردا وتجربة ودعما . كان يتبنى مواقف وأراء  يرى  البعض أنها في طور الاحتضار السياسي .  كان يدافع عن فلسطين كما كان لو أنه من الرعيل الأول من ابناء فلسطين الذين رفضوا الحلول الوسط ،والتسويات الغامضة ، وتمسكوا بفلسطين ، كل فلسطين . وكنت أشعر دائما أنه وحيد  في حرب  دينكوشتية  كل ما فيها يميل لصالح الفريق الآخر.

وقد حضرت له ندوات وحوارات كانت ُتهيأ  له فيها  سهام النقد الجارحة ، ولا يتورع بعض من كان يوجهها ، عن نعته بأوصاف قاسية وإتهامه إتهامات تطال ذمته المالية وموارد صحيفتة. وكنت استغرب من إصراره على التأكيد على حياد الصحيفة وعلى استقلال مواردها ، رغم أن منتقديه ليس لديهم الحق في توجيه هذه الاتهامات  إذ  لايملكون الجرأة على إدعاء الاستقلال والحياد الذي ينتقدون غيابه  عند عطوان  .

وإذا كانت مقتضيات الموقف الذي وضعتنا فيه استقالة الاستاذ عطوان المفاجئة ، تتطلب التركيز على الايجابيات التي حققها الرجل في مسيرته الطويلة ، فإن المقتضيات المهنية تسمح لنا بالقول ،  أن القدس العربي بالرغم مما حققته من نجاح مهني وسمعة طيبة في اوساط الصحافة وبين القراء تظل صحيفة الرجل الواحد .  والمفارقة هنا أن عطوان الذي حارب الدكتاتورية وتركيز السلطة في كل حياته،   يخرج من صحيفته دون أن تكون  وراءه  صيغة مؤسسية  واضحة تضمن الاستمرار وانتقال الصلاحيات  وتحافظ على الانجازات ،  فقد ترك الصحيفة   دون أن يخلفه  من يملأ الفراغ بنفس القوة والحضور . فلا أحد يستطيع أن يتصور القدس العربي بدون عبد الباري عطوان ، فعنده تبدأ الصحيفة،  وبفضل جهده الشخصي ومثابرته المستمرة أصبحت ، في مصاف الصحافة العربية الكبيرة وحفر  لها . اسما سيظل مرتبطا بإستمرار بأسم مؤسسها حتى لو غاب عنها

هذا المقال يعبر عن رأي الكاتب ولا يعكس بالضرورة وجهة نظر شبكة إرم نيوز

حمل تطبيق إرم نيوز على هاتفك