ماذا وراء انفتاح أنقرة على دمشق؟

ماذا وراء انفتاح أنقرة على دمشق؟

المصدر: تاج الدين عبد الحق

هذه هي المرة الثانية التي يكون فيها الأكراد، فرق حساب بين تركيا وسوريا، في المرة الأولى وإبان حكم الرئيس السوري السابق حافظ الأسد، توترت العلاقات بين البلدين، وكانا على شفا حرب، لولا تدخل الرئيس المصري، آنذاك، حسني مبارك، الذي استطاع نزع فتيل الأزمة بتسوية لم نعلم تفاصيلها إلا عندما بانت معالمها، واتضحت أبعادها.

كان الثّمن الذي دفعته سوريا في ذلك الوقت، التواطؤ على تسليم زعيم حزب العمال الكردستاني عبد الله أوجلان، الذي كان مقيمًا لعقود في سوريا، إذ كان يقود المعارضة الكردية ضد أنقرة من دمشق.

ومع أن دمشق، لم تقم بتسليم أوجلان للسلطات التركية مباشرة، إلا أنها أجبرته، نهاية عام 1998، على مغادرة سوريا، فيما كانت المخابرات التركية تتعقب مسار رحلته من سوريا إلى روسيا فاليونان وصولا إلى إيطاليا التي استقر فيها لأسابيع، ومن روما، وبعملية استخباراتية معقدة، وصل أوجلان إلى منفى غير متوقع في العاصمة الكينية نيروبي لتقوم عناصر من الأجهزة الأمنية التركية باعتقاله في فبراير 1999، وجرى تخديره، آنذاك، ونقله في عملية استعراضية من نيروبي إلى أنقرة، ثم إلى محبسه الأخير في جزيرة أيمرالي على بحر مرمرة، الذي يقبع فيه منذ أكثر من سبعة عشر عاماً.

اليوم، يبدو أن الأكراد سيكونون، مرة أخرى، ثمنًا لمقايضة سياسية أو مصالحة، تلوح في الأفق البعيد بين أنقرة ودمشق. 

فما بين استدارة تركية مفاجئة، واستجابة سورية غير منتظرة، تتطور مواقف البلدين وتتغير في التعاطي مع الأزمة السورية وتداعياتها المختلفة.

فإعلان تركيا القبول بالرئيس السوري بشار الأسد كجزء من المرحلة الانتقالية، قابله رد سوري غير متوقع تمثل في المواجهة بين القوات الحكومية الموالية للأسد وبين الأكراد في الحسكة، وهو ما فسره البعض بأنه بادرة حسن نية، من النظام السوري تجاه أنقرة، التي تتخوف من إمكانية قيام جيب كردي جديد، في شمال سوريا بمحاذاة الحدود مع تركيا.

هذا التطور كان يبدو مستحيلاً إلى ما قبل الزيارة التاريخية، التي قام بها الرئيس التركي لروسيا، والإعلان عن طي صفحة الخلاف مع موسكو، يُعد تغيراً وتبدلاً في التحالفات والتوازنات الميدانية.

فالأكراد الذين اتهموا طوال الفترة الماضية، بأنهم أدوات بيد النظام السوري وأنهم أعاقوا تقدم المعارضة السورية، إما في الميدان أو في المفاوضات، يتحولون الآن، إلى عدو للنظام الذي وجد نفسه بترتيب مسبق أو بالصدفة في تنسيق مع تركيا، أو في تحالف مع قوات الجيش السوري الحر التي تحتشد في المناطق الحدودية في تركيا تمهيدًا للوصول إلى بعض البلدات والمناطق، التي يتهددها التمدد الكردي الذي تخشى منه تركيا وتتحسب له، وتعمل على منعه.

ما يحدث في شمال سوريا لا يمكن فصله عن التحركات السياسية الإقليمية والدولية، منذ الانقلاب التركي الفاشل، الذي أعادت أنقرة بسببه كثيرًا من الحسابات، بعد أن وجدت نفسها محاصرة بعداوات وخلافات من كل نوع.

خلاف مع الحليف البعيد، المتمثل بالولايات المتحدة، التي تتهمها أنقرة باستضافة غريم أردوغان عبدالله غولن، المتهم الرئيس بالوقوف وراء المحاولة الانقلابية الفاشلة، فضلاً عن تورطه بعمليات إرهابية هنا، وفقا لما تقول أنقرة.

وخلاف مع الشريك الاقتصادي الأكبر، روسيا، الذي فاقمت عقوباته، من المأزق الاقتصادي الذي تعيشه تركيا، منذ ما قبل الانقلاب الفاشل والذي تعمق بعده وزادت حدته.

خلافات من كل نوع مع دول الإقليم، بدءًا من سوريا التي تكاد العلاقات معها تصل حد الحرب المفتوحة، ومروراً بمصر التي تحمل مفاتيح العلاقات بالعديد من دول المنطقة، وانتهاءً بإيران التي أضافت الخلافات معها حول سوريا، عمقاً وبعدًا إضافيَّيْن للخلافات التاريخية والأيدولوجية القائمة بين البلدين منذ قرون.

ويبدو أن تركيا تدرك بعد سنوات على هذه الخلافات، أنها غير قادرة على التعاطي مع الأزمات مرة واحدة، وأن عليها أن تفكك الارتباط بينها وأن تختار الأولويات في التعامل مع كل أزمة وفق ما تحمله كل واحدة منها من معطيات.

روسيا كانت الخيار الأول الذي طرقته أنقرة، فهو الأقل كلفة، والأكثر مردوداً بعد أن استعصى الخلاف مع واشنطن، وبعد أن استفحل تأثير العقوبات الروسية على الاقتصاد التركي.

لكن موسكو تطالب بثمن سياسي للتطبيع الاقتصادي، وهو مساعدتها في الخروج من المأزق السوري.

ما طلبته روسيا هو إعلان تركيا القبول بالأسد كشريك في الحل السياسي للازمة السورية، وهو ثمن لم تجد أنقرة غضاضة في دفعه خاصة مع وجود استعداد من النظام السوري لقبول الهواجس التركية والالتقاء معها على رفض حلم الفيدرالية الكردية.

الاتفاق الروسي التركي وما تبعه من تغير في مواقف أنقرة ودمشق، يشي بأن الأزمة السورية تدخل مرحلة تسديد الفواتير وإغلاق الحسابات المعلقة، وهي حسابات وفواتيرلا يقوى على تسديدها إلا الكبار، فيما تتضاءل فرص اللاعبين الصغار في أن يكون لهم نصيب فيها.