أردوغان والاستثمار السياسي للانقلاب الفاشل

أردوغان والاستثمار السياسي للانقلاب الفاشل

المصدر: تاج الدين عبد الحق

النتائج المباشرة لفشل الانقلاب العسكري في تركيا، تشير إلى أن الرئيس رجب طيب أردوغان بات أقوى داخليا، وأكثرً حريةً لإطلاق تغييرات سياسية داخلية كبرى، تكرس سلطاته الرئاسية،  وتزيد من هيمنة حزب العدالة والتنمية الذي يترأسه على مؤسسات الدولة.

لكن بالمقابل، فإن نفوذه الخارجي، ودوره الإقليمي، سيتأثر بالارتدادات الداخلية للمحاولة الانقلابية الفاشلة.

فعلى الرغم من أن أردوغان نجح في احتواء المحاولة الفاشلة بسرعة أثارت إعجاب مريديه، وأربكت حسابات خصومه، إلا أنه سيكون، مع ذلك، مشغولا في الفترة المقبلة عن هموم الإقليم وأزماته، التي استنزفت طاقته أو سحبت من رصيد علاقات تركيا الخارجية، إذ يبدو أن شغله الشاغل لشهور عديدة قادمة سيكون ملاحقة خصومه الذين تجرأوا على الخروج عليه، والتطاول على زعامته.

كما أنه سيكون مشغولا في استثمار الفرصة الذهبية التي تتاح له، الآن، لترتيب أوضاع البيت التركي بالشكل والكيفية التي حلم بها منذ أن بدأ نجمه بالصعود، في سماء السياسة التركية.

الخسائر البشرية والمادية التي لحقت بتركيا بسبب المحاولة الفاشلة هي بالمقياس النسبي خسائر كارثية، فأعداد القتلى والمصابين بالمئات، وأعداد المعتقلين بالآلاف، فيما تشير التقارير إلى أن الملاحقة ستطال أعدادا كبيرة أخرى في طول البلاد وعرضها، بعد أن تبين أن الخيوط التي نسج منها الانقلابيون شبكتهم لا تقتصر على المؤسسة العسكرية، بل تطال العديد من مفاصل الدولة بما في ذلك الأجهزة الرسمية والقضائية، فضلا عن المؤسسات والمراكز المدنية التي تشكل واجهة لخصم أردوغان اللدود فتح الله غولن.

هذا معناه أن تركيا ستكون بحاجة لبعض الوقت  للملمة جراحها، وتحصين جبهتها الداخلية التي اهتزت بعنف، وصياغة عنوان جديد للحياة السياسية التركية، وفقا للمعطيات التي أفرزتها المحاولة الانقلابية الفاشلة، والتي جعلت من أردوغان الخيار السياسي الأفضل حتى بالنسبة لخصومه في صفوف المعارضة.

ووفق هذه المعطيات، فإن أردوغان بات مهيأً، الآن، لإطلاق ”رصاصة الرحمة“ على دور المؤسسة العسكرية التركية في الحياة السياسية، ودق المسمار الأخير في نعش الفيتو، الذي كانت  تلوح به القيادات العسكرية في وجه كل محاولة لتقليص دور الجيش في العمل السياسي، أو الانتقاص من وصايته كأمين على أرث الجمهورية التركية وعلى النهج العلماني الذي تأسست عليه تركيا الحديثة بقيادة مصطفى كمال (أتاتورك).

فبعد الفشل الكبير الذي حصده العسكريون من محاولتهم الانقلابية، باتت يد الرئيس التركي طليقةً في العمل على تطهير المؤسسة العسكرية التركية لا من العناصر المرتبطة بالمحاولة الفاشلة فقط، بل من كافة العناصر التي لا تزال تؤمن بدور سياسي يكون فيه الجيش وصيا على دستور الدولة وضامنا لعلمانيتها.

ويبدو أن اردوغان، الذي ظل يتخوف في الماضي من اقتراح بعض القرارات التي تثير خصومه السياسيين، لن يتردد هذه المرة في استخدام رصيده السياسي وما يحظى به من تأييد شعبي، في معركته لتحييد الجيش مرة واحدة وإلى الأبد.

ولعل تركيز حكومة أردوغان على قوى الشارع التركي، وعلى دور القوى الأمنية في إحباط الانقلاب، يوحي بأن هذه القوى، هي الورقة الرابحة التي سيستخدمها الرئيس التركي بعد أن نجح في توظيفها لإفشال الانقلاب، إذ بدت تلك القوى أقرب لذراع عسكري، أو مليشيا ”مؤدلجة“ للحزب  الحاكم، وظهر ذلك جليا في الصور التي بثتها وسائل الإعلام  للمظاهرات والمسيرات الشعبية، وللعناصر الأمنية وهي تتحرك بحماس، وسط الناس لملاحقة الانقلابيين ومطاردتهم  ومحاصرتهم في الأماكن التي انتشروا فيها.

كذلك، فإن التلميح لفشل الاستخبارات العسكرية في كشف الانقلاب قبل وقوعه، يعطي أردوغان فرصة إحداث تغيير في تركيبة الأجهزة الأمنية المدنية بإعطائها سلطات أوسع من السابق، وهو ما قد يعني إخضاع الجيش إلى رقابة أمنية من الحكومة، وقد بدأت إرهاصات ذلك في القرارات التي صدرت بتعيين قيادات أمنية مدنية خلافا لما كان متبعا في الماضي حين كانت تستأثر بهذه المواقع الاستخبارات العسكرية.

وإلى أن تتضح أبعاد التغييرات المنتظرة في السياسة الداخية التركية، فمن الواضح أن تركيا التي حاولت تصفير الأزمات مع دول الجوار لاستثمار نجاحها الاقتصادي، تجد أنها اليوم بحاجة لتبريد خلافاتها الإقليمية واحتوائها، باعتبار ذلك شرطا لنجاحها في استثمار الزخم السياسي الذي ولدته حركة الانقلاب الفاشلة، والذي يمكن أن يوفر لها مقاربات مختلفة للتعامل مع أزمات الإقليم.

ما ورد في هذا المقال تعبير عن وجهة نظر الكاتب، ولا يعكس رأي موقع إرم نيوز‬‎

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات desk (at) eremnews.com