إرهاب على دكة الاحتياط

إرهاب على دكة الاحتياط

تاج الدين عبد الحق

لايمكن توصيف العمليات الإرهابية الخارجية، التي قام بها تنظيم داعش، مؤخرا، بأنها هروب إلى الأمام، أو أنها ردة فعل على النكسات الميدانية التي يتعرض لها التنظيم في العراق وسوريا.

فالتنظيم لا يتحرك على أساس ردة الفعل، بل هو في كثير من الأحيان تنظيم مبادر نسبيا، وظل محتفظا بإستراتيجية التمدد للخارج، في ذروة انتصاراته قبل أكثر من عام، ولم يغيرها مع تزايد انتكاساته التي تتالت في أكثر من موقع من المواقع التي سيطر عليها.

التنظيم نظريا يعمل وفق أجندة عالمية، وبأدوات تتجاوز حدود الجغرافيا التي يعمل بها. لكن هذه الأجندة، رغم العمق الجغرافي والديموغرافي الذي تتحرك فيه، لم تتحول إلى شبكة تنظيمية متماسكة، إلى الحد الذي يجعلنا نقول إن كل عملية في الخارج صدى لانتكاسة ما، في الميدان.

فالتنظيمات التي التحقت بداعش وبايعت الخلافة الإسلامية التي أعلنها، هي في واقع الأمر -بعكس الأضواء التي سلطت على مبايعتها للتنظيم-، ليست أكثر من بقايا تنظيمات أعماها البريق الذي أحاط بإعلان الخلافة الإسلامية المزعومة، أو عناصر ميليشيات مسلحة وجدت في التنظيم مظلة تمنحها شيئا من الشرعية الدينية، أو نوعا من المصداقية الأيدولوجية.

ولذلك فإن العمليات الإرهابية التي يتبناها داعش، لا تعني بالضرورة، وجود علاقة تنظيمية محكمة بمنفذيها، أو أنها عمليات تتحرك بأوامر مباشرة من قيادة التنظيم، وبإيقاع ثابت وبتناغم كامل معه، بل هي في غالب الأحيان مبادرات ”لنمور منفردة “ من مريدين وأنصار، يجلسون على دكة الاحتياط، ويحملون نفس الأفكار أو لديهم نفس الأجندات ولديهم الاستعداد للتحرك في أي لحظة، تحت وطأة الانفعال.

هذه العلاقة الروحية -إن جاز التعبير- على هشاشتها، علاقة خطيرة، ومدمرة. فهي تعني أن لداعش رصيد غير منظور من المدد البشري واللوجستي، الذي يعقد طبيعة المواجهة مع التنظيم ويجعلها أكثر صعوبة وأوسع نطاقا. ليصبح الانتصار العسكري على التنظيم -إن حدث -، حلقة من حلقات المواجهة وليس نهاية لها.

ولعلنا نذكر ما حدث في أفغانستان حين دخلت القوات الأمريكية إلى هناك لمحاربة تنظيم القاعدة وتقليم أظافر الإرهاب واجتثاثه من أساسه، ليتبين لاحقا أن الحرب التي جيشت لها واشنطن دولا كثيرة، ليست أكثر من محاولة فاشلة، لم تخفق فقط في مواجهة التنظيم، بل فشلت أيضا في منعه من التمدد، وتفريخ تنظيمات جديدة خارج أفغانستان أشد ضراوة وبأسا من القاعدة نفسها، بعد أن عاد كثير من الذين حاربوا في أفغانستان إلى أوطانهم الأصلية، وهم لا يحملون فقط الأفكار، بل وشهوة الانتقام أيضا.

اليوم يتكرر المشهد ، فمع ازدياد الضغط العسكري الذي يتعرض له تنظيم داعش في سوريا والعراق، تتبدى ملامح خطر جديد يتحرك في أكثر من اتجاه، وينذر باستمرار مسلسل الدم عبر العالم.

فمن تركيا إلى بنغلاديش إلى السعودية والكويت، ومن المناطق التقليدية للتنظيمات الإرهابية في العراق وليبيا ونيجيريا ودول أفريقية أخرى، إلى أوروبا وأمريكا، دون أن تلوح في الأفق مقاربة جدية قادرة على تحقيق إنجاز حاسم في محاربة هذه الآفة أو الحد من خطرها.

والمؤسف أن تطور حجم ونطاق الإرهاب، لم يؤد إلى تطوير آليات وأساليب مواجهته. فبدلا من مواجهة الأسباب والجذور الحقيقية، أصبحت الظاهرة مسرحا للمزايدات والتوظيف السياسي لخدمة مصالح ضيقة سرعان ما تكشف الوقائع والأحداث أنها مخططات في غير محلها، وأن نتائجها سترتد على من يقدم عليها.

إن حصر جهود مكافحة الإرهاب بالاحتياطات والإجراءات الأمنية والوسائل العسكرية لن يكون مجديا ولا مفيدا إن لم تكن جزءا من منظومة متكاملة تعالج كل جوانب الظاهرة ومسبباتها وأبعادها المختلفة.

والذين حصروا جهودهم بالبعد الأمني لم يستطيعوا منع الهجمات الإرهابية ولم يتمكنوا من التصدي لها ومنع التنظيمات من تنفيذ عمليات دامية. وبدلا من أن تؤتي تلك الجهود أوكلها، وجدناها تحفز الجماعات الإرهابية على تطوير آليات عملها بالشكل الذي جعل ضرباتها أكثر دموية وأشد فعالية، في دوامة عنف وإرهاب، لا تتوقف، بل تعود أكثر ضراوة مرة بعد أخرى.

ما ورد في هذا المقال تعبير عن وجهة نظر الكاتب، ولا يعكس رأي موقع إرم نيوز‬‎

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات desk (at) eremnews.com