صح النوم

صح النوم

تتغير الأماكن و الأحداث و الاسماء و تتبدل تواريخ الأيام والسنوات لكن شيئا لا يتغير داخلنا .. يعود الماضي و تكرر الأيام كلمات وأحاديثا دارت من قبل..

يحلم الإنسان ويتمنى و ينتظر ان تتحقق المعجزات .. وحين تساعده السماء و يجد يده تلمس نجم السماء البعيد.

يبتهج لفتره قصيره، ثم يسأم الحلم الغالي، ويزهد لمس النجم العالي، و ينسى فرحه المرة الأولى و عطر الورد الذى تسلق شباكه يوم الربيع !

في روايته الأعز الى قلبه ( صح النوم ) يحكى الكاتب الكبير يحيى حقي عن القرية البعيدة الفقيرة التي كان حلم الناس فيها كل الناس حتى التلاميذ في المدارس ان يمر بها قطار السكة الحديد ..

حلم شرعي بسيط لكنه كبر في القلوب وصار حديث الفلاحين و النساء و المدرسين و التلاميذ الصغار في المدرسة الابتدائية الوحيدة داخل تلك القرية، حتى الأفندية المتعلمين صاروا يحلمون بيوم يجدون محطه لقطار باسم قريتهم و شباك تذاكر و رصيف ينتظرون فوقه الغائبون او يسافرون منه نحو العاصمة و المدن الكبيرة في البندر حيث الجامعة و الأطباء و المصالح و مكاتب الناس الكبيرة نافذه الكلمة و صاحبه القرار .

مدرس طيب في المدرسة كان هو الوحيد الذى يحدث تلاميذه الصغار عن ميزه ان تكون القرية هادئة بلا صفير القطار المزعج ولا هزات عجلاته الحديد التي ستزلزل البيوت الفقيرة المتهالكة في أماكنها و ستنكسر بسببها قصارى الورد الأحمر الجميل و قلل الفخار الضعيف على النوافذ ..

ظن الناس ان المدرس يعزى نفسه لأنه يائس من تحقيق الحلم الكبير وو صول السكة الحديد لقريتهم المنسية قليله الحظ كثيره العوز والمشكلات.

ويشاء الحظ و يمرض احد الأفندية الشباب بالقرية مرض عضال يستدعى العلاج في مستشفى العاصمة، و يغيب الأفندي للعلاج بعيدا عن قريته سنه، يعود بعدها، فيجد كل شيء تقريبا قد تغير … يسائل عن الأسباب فيقول له كل من يقابله ( صح النوم ) يا استاذ … لقد اصبح في القرية قطار و مرت من هنا السكه الحديد !

و يظن الأستاذ و نحن معه ان الحلم الكبير حين تحقق صارت الدنيا أجمل و أبهى و أسهل ولم يعد بالقرية مكان للشكوى او وقت للاستياء او سبب لأى قلق او وجع … و قبل ان يغادر رصيف محطه القطار المستجد على قريته يقابل بالصدفة شخصين .. احدهما كناس مهمته نظافة المحطة و الثاني رجل مطافئ

يشكو له الكناس من الجهد الكبير الذى يبذله في هذه القرية هدرا بلا مقابل مجزى و لا علاوه غلاء ولا تقدير من الحكومة، و حتى الناس تستحق قطع رقبتها من فرط استهتارها فهم لا يحلو لهم تقشير البرتقال و رمى المخلفات إلا على رصيف محطه القطار و بعضهم يمص القصب و لا يكف عن إلقاء القمامة حتى يضطر ان يكنس المكان مرتين كل نهار بسبب جهل الناس وإهمالهم .. انه هم يهد الجبال

أما رجل المطافئ فيشكو للأستاذ أجره المتدني، وإهمال المجلس القروى لمتاعبه و زملاءه رغم أنهم دخلوا عهد الإصلاح، و رغم الثورة فالعمده الجديد مشغول بالانتخابات المقبلة و السكه الحديد مرت في القرية دون دراسه او تخطيط فراحت تتهدم بسببها البيوت القديمة و الآيله للسقوط و اضف لما سبق ان العناصر الفاسدة و المقاولين غير الشرفاء لم يفكروا في عدد الحرائق التى تشتعل كل يوم في أجران التبن و الغلال بسبب شرر القطار .. لقد صار العمل في إطفاء الحرائق بالقرية مهمه لا تتوقف ليل نهار و كادر العاملين يتساوى مع كادر عمال النظافة، فأين إطفاء الحرائق و اقتحام المناطق الملتهبه من الانحناء لجمع بعض التراب و الورق من الأرض ؟؟ وهل هناك في الدنيا أكثر من هذا ظلما و افتراء ؟؟؟؟

تذكر الأستاذ السوق الذى اندثر و انمحى من فوق الأرض كى يمر القطار مكانه و حن الأستاذ لباءع العرق سوس الذى كان يقف عند أطراف السوق .. و دكان الحلاق صديقه الذى انهدم كى يفسح مجالا للرصيف و شباك تذاكر القطار الجديد …. لقد اختفت أشياء كثيره يحبها الأستاذ و بقيت الشكوى و التظلمات و المطالب لا تنتهى ….. صح النوم !!

ما ورد في هذا المقال تعبير عن وجهة نظر الكاتب، ولا يعكس رأي موقع إرم نيوز‬‎