اجتماعُ باريس.. مزادٌ لشراء الوقت

اجتماعُ باريس.. مزادٌ لشراء الوقت

المصدر: تاج الدين عبد الحق

في أحسن الأحوال، فإن اجتماعات باريس الخاصة بالصراع العربي الإسرائيلي، والرامية إلى بحث المبادرة الفرنسية الخاصة بعقد مؤتمر دولي للسلام، لن تكون أكثر من مزاد لشراء، وتقطيع وقت أو ملء فراغ خلفته المساعي الإقليمية والدولية، التي انصرفت عن القضية الفلسطينية، وباتت أكثر انشغالًا بقضايا وأزماتٍ أكثر سخونة بالمنطقة.

وفي المعطيات، لا يوجد أي مبرر لتوقع نتائج، فكل الذاهبين إلى باريس، بما فيهم أطراف عربية، لا تشكل القضية الفلسطينية أولوية حقيقية لهم.

والدول الكبرى التي رحبت بالمبادرة الفرنسية وتشارك في الاجتماعات، تعلم أن فرنسا مهما كانت حسنة النية لا تملك قدرة التأثير على أطراف الصراع أكثر مما كان لدى الرعاة التقليديين لعملية السلام.

وأي رصد للنتائج المنتظرة للاجتماعات، تظهر أن المؤتمر أقرب إلى جهد علاقات عامة لخدمة الأطراف المشاركة فيه، فالطرف الفلسطيني، الذي يضيق الأفق أمامه، وصاحب المصلحة الأولى، والضحية الكبرى لحالة المراوحة المستمرة منذ ما يزيد عن عقدين من محاولات الوصول إلى حل الدولتين، ليس لديه أي أوراق يمكن أن تغيّر في ميزان التفاوض، ناهيك عن الحصول على نتائج.

كل ما يمكن أن يحصل عليه الطرف الفلسطيني من مؤتمر باريس، هو كسب مزيد من الوقت لسلطة آخذة بالتآكل، إما بفعل الزمن، أو بفعل  انقسامات في صفوفها أو بسبب التضييق الذي تمارسه عليها سلطات الاحتلال.

الدول العربية التي تشارك في الاجتماعات تأتي وهي مثقلة بهمومها المحلية أو بالتهديدات الإقليمية التي تتعرض لها.

ومن الواضح أن هذه الهموم تضغط على الموقف العربي، الذي بات محاصرا بين التزامات تاريخية تجاه القضية الفلسطينية، لا يملك القدرة ولا الإرداة للوفاء بها، وبين الضغوط الإقليمية التي تضطره، اليوم، لإعادة النظر في تحالفاته وأولوياته.

والمفارقة أن إسرائيل، المستفيد الأول من مؤتمر باريس، هي من تتمنع، وتتشدد، فرغم علمها أن المؤتمر يبقيها شريكا في عملية سلام إلا أنها هي التي تعطلها، وتضع عراقيل في وجهها، فإن المؤتمر بالصيغة التي يجري التحضير له بها، يفتح لها باب تطبيع مع دول عربية، كاستحقاق مسبق على موافقة إسرائيل على إطلاق جولة جديدة من مفاوضات يعلم الجميع أنها لن تكون أفضل من سابقاتها.

كذلك، فإن حضور إسرائيل للمؤتمر من شأنه رفع القيود التي فرضها الاتحاد الأوروبي عليها وبالخصوص حظر استيراد منتجات المستوطنات الإسرائيلية في الضفة الغربية المحتلة.

وليس سرا أن إسرائيل بدأت بالفعل اتصالات بهذا الاتجاه، وأنها حصلت على مؤشرات مشجعة، تعطيها فرصة قطف الثمار قبل طرح البذار.

أما الولايات المتحدة، التي بدأت رحلة انكفاء ممنهجة لتقليص تورطها في قضايا الشرق الأوسط، فإنها تجد الآن في مؤتمر باريس فرصة للتحلل من التزاماتها التاريخية تجاه عملية السلام وخاصة الالتزام بحل الدولتين.

ولعل تراجع القضية الفلسطينة في المعركة الانتخابية الرئاسية يشي بهذا التوجه، إذ لا يبدو أن القضية الفلسطينية، التي غابت عن حملات مرشحي الرئاسة، ستكون حاضرة على أجندة من يفوز بالانتخابات.

أما روسيا، فهي غائبة تقليديا عن المشهد منذ أخذت الولايات المتحدة على عاتقها تحقيق وعد الدولتين، وبعد أن استأثرت واشنطن بجهود التسوية طوال العقدين الماضيين.

ومن الواضح أن روسيا تفقد قدرة التأثير فضلا عن أن تورطها في الأزمة السورية يضع علامات استفهام أمام أي دور حقيقي في المؤتمر.

وحدها أوروبا هي التي يبدو أن مؤتمر باريس مفيد لها، على الأقل، من الناحية السياسية، فالقارة العجوز التي تم تهميش دورها طوال العقود القليلة الماضية، أصبحت، بسبب تزايد تورطها في الأزمات الشرق أوسطية، مضطرة لإعطاء الدليل على أن اهتمامها هذا لا ينطلق من مصالح ذاتية أنانية، بل بسبب تفهمها لاهتمامات وهموم المنطقة.

كذلك، فإن هذا الاهتمام من شأنه تخفيف الاحتقانات الداخلية في أوروبا خاصة لجهة نتائج المواجهة مع الإرهاب والتي أضرت على نحو أو آخر بأوضاع الجاليات العربية والإسلامية وعلاقة هذه الجاليات بالسلطات والقوى السياسية والحزبية الأوروبية.

ومن الواضح أن انخراطا فرنسيا وأوروبيا أكثر حرارة في عملية السلام الفلسطينية الإسرائيلية سيكون له انعكاسات على هذا الجانب.

الخلاصة أن مؤتمر باريس المقبل، رغم عنوانه البراق، يخفي أهدافا كثيرة، ليس من بينها، بالتأكيد، إطلاق عملية سلام يعلم الجميع أنها غير ممكنة في ظل التوازن الحالي للقوى وفي ظل الأزمات المستعصية التي ترهق المنطقة وتعوق حركتها، والنتيجة الوحيدة الواضحة حتى الآن  أن إسرائيل ستحصد من تنازلات الآخرين السياسية ما يعزز مكاسبها على الأرض.

ما ورد في هذا المقال تعبير عن وجهة نظر الكاتب، ولا يعكس رأي موقع إرم نيوز‬‎

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات desk (at) eremnews.com

مواد مقترحة