الفيشاوي يتغلب على فهلوة نجيب محفوظ

الفيشاوي يتغلب على فهلوة نجيب محفوظ

المصدر: تاج الدين عبد الحق

لم يسافر نجيب محفوظ طوال حياته المديدة إلى خارج مصر، إلا مرة واحدة، ولم تكن تلك الرحلة اليتيمة، سفرا حقيقيا، من أسفار هذه الأيام. كانت رحلة لليمن، التي لا تشكل مقصدا سياحيا معتادا، على الأقل بالنسبة للمصريين، وقد اكتسبت تلك الزيارة أهميتها من كونها أول، وآخر رحلة يقوم بها الأديب الكبير للخارج،  حتى أنه أناب عن نفسه الأديب محمد سلماوي، الأمين العام للاتحاد العام للأدباء والكتاب العرب، للسفر إلى استوكهولم لتسلم جائزة نوبل العام 1988. 

لم يذهب محفوظ إلى العالم، لكن العالم سافر إليه، دارسا ومستكشفا، أو راهبا متنسكا وعاشقا مستذكرا . 

خطر ببالي ذلك وأنا أتجول بنظري في نفس المكان الذي ظل نجيب محفوظ يجلس فيه معظم حياته، يراقب منه حركة الحياة، ويرصد تطور العلاقات الإنسانية في القاهرة منذ بدايات القرن الماضي وحتى نهايته . 

تتفحص المكان فتقرأ في كل زاوية من زواياه ، جزءا من رواية، وبعضا من حكايات زمن لا يزال يتدفق بغزارة، باعثا حياة لا تموت وأحداث لا تتوقف.

تراقب الوجوه فيخرج من بينها من كانوا أبطالا لأعمال سجلت بصدق تاريخا تتناوب على كتابته، أجيال تتعاقب باستمرار في حوار أزلي يحمل معه معنى الحياة، وسر الخلود.

في مقهى الفيشاوي في حي خان الخليلي العريق وسط القاهرة، حيث كان محفوظ يلتقي بشلته من المثقفين والأدباء الذين عاصروه، أو المريدين الذين التحقوا به في أوقات لاحقة، يأتي العالم للتعرف على تلك البيئة التي أنتجت كل هذه الأعمال الأدبية الخالدة.. ومن خلال المقهى الذي لا يزال يحمل عبق ذلك التاريخ الذي سجله محفوظ بلغة أدبية ساحرة، تتعرف أجيال من القراء العرب والأجانب، على المكان والزمان الذي أودع فيهما محفوظ خلاصة تجربة غنية، لا على المستوى الشخصي بل على الصعيد الجمعي للشخصية المصرية.

بقي عالمه محصورا في القاهرة التي ألهمته كل ما تركه من إرث أدبي وثقافي، بل إن هناك من رأى أن أحياء مصر القديمة دون غيرها، هي من شكلت وجدان محفوظ ونظرته للناس والحياة.

في مبانيها وبين أزقتها الضيقة عاش حياة متواضعة، لم تلوثها الشهرة ولم تبدلها الأيام. 

ظل محفوظ طوال حياته وعبر أعماله الكثيرة، بمثابة دليل سياحي لملايين العرب، والأجانب الذين عشقوا كتاباته قبل أن يزوروا المحروسة ويشربوا من نيلها. 

من خلاله عرفوا أماكن، وتعرفوا على معالم، كان يمكن أن تظل مجهولة وغير معروفة ، لولا تلك الإضاءة الأدبية الراقية التي أتحف بها محفوظ المكتبة العربية، والتي جسدت بالكلمات بعض الأماكن التي أصبحت تطاول في شهرتها الأهرام والآثار الفرعونية. 

عالمية نجيب محفوظ، لم يكتسبها بعلاقاته العامة وصلاته بالأوساط الثقافية العالمية، بل وصل لها من خلال الخصوصية المحلية التي لمسناها في رواياته وأعماله الأدبية، وفي السيناريوهات التي كتبها للسينما، وهذا هو ديدن كل الأعمال الأصيلة، فهي لا تصل إلى العالمية إلا إذا نهلت من محيطها وبيئتها المحلية، وكانت مرآة عاكسة لمجتمعها.

لم يكن غريبا أن تتحول معظم الأعمال الروائية والقصصية التي كتبها نجيب محفوظ إلى أعمال سينمائية، فهو نفسه ساهم في كتابة كثير من السيناريوهات السينمائية لها، لتشكل الأفلام، رغم ما قيل عن بعضها، إضافة مهمة للنصوص الأدبية ووسيلة سهلة جمعت لمحفوظ شعبية بين البسطاء وعالمية بين النخب الثقافية والأدبية.

في نفس الزقاق، وعلى مقربة من مقهى الفيشاوي، تم افتتاح مقهى آخر باسم نجيب محفوظ ، وبديكورات حديثة بعد أن اصبح الحي مقصدا للسياحة والسياح، لكن المفاجأة أن هذا المكان الذي حاول استثمار شهرة محفوظ بعد نيله جائزة نوبل، لم يستطع أن يخطف بريق 

الزاوية التي كانت مدخلا لتلك الشهرة ، فظل مقهى الفيشاوي التاريخ، هو ما يؤمه الناس، ويتقاطرون لزيارته فيما مقهى نجيب محفوظ الشهرة هو الزبد الذي يذهب جفاء، عندما يتأكد الناس من أنه زيف صنعه الذين يتقنون الفهلوة والشطارة.

ما ورد في هذا المقال تعبير عن وجهة نظر الكاتب، ولا يعكس رأي موقع إرم نيوز‬‎

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات desk (at) eremnews.com