التحرش الجنسي الابن الشرعي لوسائل الإعلام العربي!

التحرش الجنسي الابن الشرعي لوسائل الإعلام العربي!

شيماء يوسف

على قدر ما تتناول وسائل الإعلام العربية، ظاهرة التحرش الجنسي بالمرأة وتعرض لوقائعها؛ يكون لها إسهامها، هي والفنون، كمؤثرات في الوعي الشبابي، في تأجيج الظاهرة، من خلال أنماط سائدة في التعبيرات المفتوحة على المزيد من أشكال الوصف الشهواني للمرأة، ليس ذلك وحسب، وإنما تسهم بعض الأشكال التعبيرية العفوية، على صعيدي الوعظ الديني والتعليم، في التركيز على العناصر الشهية في الأنثى.

ففي السينما والدراما التلفزيونية، ظهرت كل أنماط الحكايات، وتمتع الناس بجماليات السرد الذي اجتذبتهم مشاهداته متحركاً، لا مكتوباً في صفحات مطبوعة، وتحققت لرواد السينما والمسرح، ثم لمشاهدي الدراما التلفزيونية فيما بعد، متعة التخيّل، والإيهام بالحقيقة، والمتعة الشعورية التي قوامها التشويق والتأمل، في أيام عصيبة وأخرى جميلة، ومواقف من كل نوع وهذا كله، كان وظل يحظى بتغطيات إعلامية تفصيلية وشاملة، وفي خطاب الوعظ الديني التلقائي، ظلت المرأة نقطة تمثل نقطة إشكالية، ازدادت إشكالاً ــ بدل أن تتضاءل ــ مع تفشي الأصولية الدينية، ولما تنامت ظاهرة التحرش في الشوارع وفي أمكان العمل ووسائل المواصلات العامة، حتى بلغ الأمر، في بعض الشوارع العربية، أن تتحرش مجاميع ذكورية بمجاميع إناث، أو حتى بأنثى واحدة، ولا تتوانى بعض وسائل الإعلام الخاصة، عن عرض التغطية التفصيلية لمثل هذه الوقائع.

وبالطبع، تصدى باحثون اجتماعيون وباحثات، لتحليل الظاهرة والعودة الى جذرها في البيئة التعليمية وعلى صعيد المؤثرات الثقافية. ففي مصر ــ مثلاً ــ تقصت الباحثة أمينة خيري، أسباب تشكل الحافز للتحرش لدى بعض الشرائح الشبابية، وتعرضت لأطر التعبير ”البريئة“ التي ساعدت على نمو الظاهرة، فقالت: إن المفردات الطبيعية المتداولة شعبياً، المعبرة عن وعي جمعي حيال المرأة، ساعدت على تأجيج الإثارة، وهذه كلها، ينقلها الإعلام والفنون المعنية بالتصوير الواقعي لمجريات الحياة، وقوامها عمل الـ ”زوم إن“ لصورة المرأة المتأنقة التي ينكشف بعض أطرافها، فمن الطبيعي أن يُقال بكل ارتياح ودون إحساس بالحرج، عن البنت خفيفة الدم، واللاحمة قليلاً بأنها كقطعة ”الزبدة البلدي“ أو ”البطة“ أو ”المُزّة“.

أما الأرشق الأطول، فهي الغزال أو كعب الغزال، أو ”المُهرة“ المثيرة لغواية الامتطاء. ثم ”عسل“ و“لهطة قشطة“، وقد شجع هذا على الرغبة في المحاسسة بشكل احتفالي، وذكرت أمينة خيري في بحثها الاستقصائي، بعض اللقطات الطريفة التي حدثت في الواقع، من بينها أن معلم التربية الدينية في إحدى مدارس القاهرة، قال في درسه: ”إن أركان الإسلام خمسة بالنسبة إلى الذكور، وستة بالنسبة للإناث، لأن الركن السادس الذي لا يكتمل إسلام الأنثى إلا به، هو الحجاب ويا حبذا لو كان نقاباً“. ولكي يشرح الركن السادس، أشار الى الصغيرة الوحيدة المتحجبة من بين زميلاتها، واسمها ”نورهان“ وتفضل قائلاً:“ نورهان قطعة حلوى تحفظ نفسها بحجابها من الذباب والحشرات، وإن شاء الله ستهتدي إلى النقاب قريباً… أما قطع الحلوى الأخرى، التي تترك نفسها بلا غلاف، فتستحق ما تناله من قرصات الحشرات ولسعات الذباب“ في هذا المثال، كأنما المعلم، يحسم أمر الرجل باعتباره حشرة أو ذبابة لا يُرجى منها الصلاح، ويبرر الانقضاض للتحرش، بما يسميه انكشافاً أو تحزقاً في اللباس، الذي يوصفن صاحباته بـ ”الكاسيات العاريات“! .

إن المعالجة الوعظية المتخلفة، التي لا تأخذ المسألة من جميع وجوهها، تسهم كما الإعلام، في تأجيج الظاهرة، إذ لا يتردد شيخ عند توسيع هامش التخيل في اختراع ركن سادس للإسلام، في مغالطة دينية لا تعالج في الواقع، وإنما يكون من نتائجها أن تكبر الأنثى على فكرة أنها قطعة حلوى أو زبدة أو قشطة. وباعتبار أن الإعلام، هو انعكاس لكل ما يجري على أصعدة النشاط الإنساني في الواقع، فإنه يُكمل الخطأ ويُعمم الصور المتداولة، بينما يتضاءل التركيز على كرامة الإنسان، ذكراً أكان أم أنثى، وعلى واجبات المواطنة والوئام الاجتماعي وقيم الأسرة، والضرورات الاقتصادية ــ الاجتماعية، التي تدفع نسبة كبيرة من الإناث الى الظهور على النحو الذي يجتذب ”ابن الحلال“ المُرتجى، القادر على تحمل أكلاف الزواج!

ما ورد في هذا المقال تعبير عن وجهة نظر الكاتب، ولا يعكس رأي موقع إرم نيوز‬‎

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات desk (at) eremnews.com

مواد مقترحة