”الواوا“ من الفراعنة لهيفاء وهبي

”الواوا“ من الفراعنة لهيفاء وهبي

تاج الدين عبد الحق

كنت أعتقد أن زيارة القاهرة، والتجول في منطقة الهرم، ورؤية ”أبو الهول“ ، تغني عن زيارة بقية المناطق الأثرية في مصر، التي يقال إنها تشكل ثلث مافي العالم من آثار.

لكن تبيّن لي، وأنا أزور مدينة الأقصر في صعيد مصر، أن القاهرة بكل ما فيها من معالم أثرية، وما تحويه من معابد، وأهرامات لا تشكل إلا نزرًا يسيرًا مما تم اكتشافه بالفعل من آثار، وهو أقل بكثير مما يحويه وادي النيل، ومدنه من كنوز أثرية لا تزال قيد التنقيب، أو ما قد تقود إليه رحلات الاستكشاف المصرية، والأجنبية النشطة والتي لا تكف باستمرار، عن الإعلان عن اكتشافات جديدة تعيد رسم الخريطة الأثرية المصريّة وتضيف لها أبعادًا جديدة لم يعرفها علماء الآثار من قبل، ولم يكن يتوقعها المحدثون.

والآثار في مصر ليست حجارة ومعابد و تماثيل فحسب، بل قصص وتاريخ ما زالت له شواهد حية، نتعايش معها ونلمس مظاهرها، بل ونستخدم كثيرًا منها، دون أن نتنبه لها أو نتوقف عندها.

ما تركه المصريون القدامى يعد تاريخًا سياسيًا واقتصاديًا وعلميًا واجتماعيًا شاملًا، يرسخ وجوده من خلال تفاصيل كثيرة كاشفة للكثير من عجائب العمران، وفنون الرسم، و الزخرفة والنحت، فضلا عن مهارات الطب و التحنيط، التي لا يزال العلماء والباحثون حيارى في تفسير الكثير من أسرارها، ومعرفة مزيدٍ من خباياها.

وعلى خلاف الكثير من الحضارات البائدة، فإن الحضارة المصرية القديمة، لم تحافظ على وجودها بما خلّفته من آثار فقط، بل فيما تناقله المصريون من عادات وتقاليد، ومن مفردات لا تزال في صلب اللهجة المصرية الحالية، وفي جل العادات والتقاليد والموروث الثقافي.

فاللغة الهيروغليفية القديمة، التي يظن الكثيرونَ أنها لغة مندثرة، وأن تفسيرها وفهمها، وقف على المتخصصين من علماء التاريخ والآثار، يلمس السائح والزائر أنها جزء أصيل من اللهجة المصرية اليومية، والتي أصبحت مفهومة، ومقبولة في دلالاتها عند جميع دول المنطقة.

ولعل ما يثير الدهشة، ذلك الغنى في عدد المفردات التي يستخدمها المصريون اليوم، بنفس الروح وبذات المعنى، ونفس الدلالات التي استخدمها وعناها أجدادهم الفراعنة.

من هذه المفردات الشائعة كلمة ”مش“ وتعني لا، وتستخدم في العادة كجزء من مصطلح ثنائي التركيب، مثل مش عايز، مش زعلان.

ومنها كلمة ”زن“ وهي الطنين ويستخدمها المصريونَ اليوم كتوصيف للحوح الذي يعيد ويكرر نفس الطلب. ومنها أيضا ”دَشْ“ بفتح الدال وتسكين الشين، وهو الكلام الكثير بلا معنى، وكلمة ”سَوْ“ بفتح السين وتسكين الواو، فيقال راجل سو أي رجل سيئ.

ومنها أيضا كلمة ”زي“ بمعنى مثل، فيقال زي ما قلت، أو زي بعضه. إضافة إلى كلمة أر أي حسد، ومنها تعبير “ يحمرأ“، أي يتراجع عن وعده، وتعابير عديدة أخرى معروفة مثل ”بس“ بمعنى يكفي، و“غيط“ و تعني المستنقع أو الأرض المبللة، وكلمة ”ترعة“ وتعني قناة الماء، و“تص“ وتعني تملاْ، و“حتتك بتتك“ وتعني اللحم والعظم وتقال لمن يثابر على شيء حتى يأتي على آخره، و“هجَاص“ وهو الذي يقول كلامًا بلا فائدة و“المدمس“ وأصلها الفرعوني المتمس، وكانت تعني الفول المطمور، و“لبط“ بمعنى اللحوح.

المفاجأة أن بعض الكلمات والتعابير التي تحمل مدلولات خادشة للحياء لها أصول فرعونية، فالاسمان اللذان يطلقهما العامة على العضوين الذكري والأنثوي ،هما في الأصل كلمتان مأخوذتان من الهيروغليفية القديمة كما أن كلمة ”طز“ التي يراد منها الازدراء و الاستهزاء هي أيضا من الموروث اللغوي الفرعوني.

وإذا صحت الرواية التاريخية عن الجذور الفرعونية لبعض الكلمات المستخدمة في اللهجة المصرية، فإن ما استخدمه الفراعنة الأوائل من مفردات كان له في معظم الأحيان، وقع موسيقي يعكس المعنى، ومن ذلك تعبير ”كخ“ وتعني القذارة و“لايص“ وتعني الطين و“بح“ بمعنى خلص و“آباي“ للتعبير عن الغضب. لكن ما يمكن ذكره في هذا المجال كلمة ”واوا“ وتعني بالفرعونية الألم وهو نفس المعنى الذي ورد في ”مغناة“ طيبة الذكر هيفاء وهبي ”بوس الواوا“.

ما ورد في هذا المقال تعبير عن وجهة نظر الكاتب، ولا يعكس رأي موقع إرم نيوز‬‎

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات desk (at) eremnews.com