مفتي سنغافورة وقيمة التسامح – إرم نيوز‬‎

مفتي سنغافورة وقيمة التسامح

مفتي سنغافورة وقيمة التسامح

إميل أمين

نهار عيد الفصح أواخر شهر مارس آذار المنصرم، شهدت مدينة لاهور عاصمة اقليم البنجاب في باكستان هجوماً إرهابياً أستهدف المصلين المسيحيين؛ ما أودى بحياة نحو 72 شخصاً، وإصابة وجرح أكثر من 300 آخرين ….. كان الحادث بعيداً كل البعد عن قيم التسامح أو السلام، ولا علاقة له بعالم الأمن والأمان، كان نوعا من الارهاب الاسود ذاك الذي يضرب عالمنا في العقدين الأخرين بجنون، فبدلاً عن أن تكون المناسبة للفرح والسرور، ملأت الدماء الأجواء، وعمقت الألم والحزن في القلوب والصدور، وبلا شك ترسخت العداوات والكراهية بين الناس؛ ما يعني أن طريق المستقبل بات مزروعاً بالأشواك، وأصبح درب الآلام طويلاً في باكستان، بل ومِن حولها، في ضواحيها ونواحيها.

هل مِن ركب لم تجثُ لبعل الإرهاب بعد؟

يبدو أن ذلك كذلك بالفعل، وهذا ما تجلى في الموقف الإنساني التسامحي والتصالحي الذي أبداه مفتى سنغافوره ”محمد فتريس باكارام“ في رسالة تعزية أرسلها لرئيس أساقفة الجزيرة ”وليام جوه“، اعتبر فيها أن الهجوم الإرهابي الذي استهدف المدنيين بشكل عشوائى هو ”ليس فقط ضد التعاليم الإسلامية، إنما هو هجوم ضد البشرية جمعاء“.

يستوقف المرء هنا عدة أمور في المقدمة منها أن الحادث الإرهابى وقع على أراضي باكستان، ومع ذلك تحركت الدوافع الإنسانية النبيلة لدى الرجل؛ ما دفعه لتقديم العزاء لمن يمثل المسيحيين في سنغافورة؛ ما يعود بالفائدة على تماسك الشعب في سنغافورة وتمتين نسيجه الاجتماعي.

الأمر الاخر هو أن المفتى السنغافوري أظهر وجه الإسلام السمح المعتدل، وعلى من يود التأكد من صدقية هذا الحديث، أن يراجع كلمات الرسالة التي تلقاها الأسقف المسيحي المكلوم في منتسبيه الدينيين.

فقد قال الإمام فتريس: ”نحن ندين بشدة هذا الاعتداء ونعرب عن خالص تعازينا لأسر الضحايا.

واضاف :“علينا أن نضم صوتنا معاً لنعرب عن اشمئزازنا من هذه الأعمال غير الإنسانية“.

الأمر الثالث يتصل اتصالاً جذرياً بالدور المنوط برجال الدين، الذين هم قدوة ونبراس لمريديهم واتباعهم، فانْ استقام أمرهم، استقامت أحوال رعيتهم، وهنا فإن الرجل لم يلزم الصمت بل ارتفع صوته عالياً بالحق وضد الظلام والظلاميين.

مفتى سنغافورة يؤكد أنه ”من غير المبرر الهجوم على إنسان آخر؛ فقط لأن لديه عقيدة مختلفة“، إنه ينطلق من قاعدة فقهية إسلامية، وإنْ شئتَ قلْ من صلب العقيدة القرآنية: ”لا إكراه في الدين“، ”لكم دينكم ولي دين“، و“لو شاء ربك لجعل الناس أمة واحدة“، وليس من مفاهيم ورؤى ضيقة ومأزومة تقع في خانة الايديولوجيات المتنازعة والمتشارعة، وبعيدة كل البعد عن رحابة الابستمولوجيا، أي المعرفه للذات اولاً، وللآخر، فإذا كانت الذات في صراع داخلى فكيف لها أن تتصالح مع الآخرين، ولهذا قال اللاهوتيون قديماً: ”إن المحبة المترتبة تبدأ بالذات“.

أفضل ما في كلام مفتى سنغافورة أن الهجوم: ”كان عملاً وحشياً وغير إنسانى موجهاً ضد أناس يؤمنون بقيم المحبة والتعايش السلمي“، إنه يشهد للمسيحيين الباكستانيين من لقي ربه منهم، ومن جرح، ومن بقي خائفاً مذعوراً من مصير مشابه في لحظة ما أن يصيبه ما أصاب المحتفلين في عيد الفصح.

”إنه لخطأ فادح بحق السلام والوئام بين الأديان الذي يشجع الإسلام عليه“ هكذا يقودنا الإمام ”فتريس“، إلى عمق المشهد، ففيما يجري يجعل الأديان وأتباعها في خصام وتضاد، لا في وئام واتفاق، فالأديان من شأنها أن تقود البشر إلى السعادة في الحاضر وفي القادم، لكن مِن لاهور، مرورا بباريس ، وصولا الى بروكسل لاحقا، لا يظن المرء أن السلام أضحى له دالة على سكان الأرض.

لماذا سنغافورة تحديداً تنطلق منها هذه الأصوات الواعية المدركة لأبعاد المشهد الكونى الآنى على خطورته؟

المثير في المشهد أنه في اليوم نفسه الذي تحدث فيه الإمام ”فتريس“، أدانت دار الافتاء فى سنغافورة أعمال العنف التي ترتكب باسم الإسلام فى جميع أنحاء العالم، بما في ذلك الهجمات في إسطنبول، جاكرتا، سوريا، بروكسل، ولاهور وفى بيانها قالت دار الافتاء: ”نحن نشعر بحزن وغضب من هذه الوحشية، وإننا جنباً إلى جنب مع جميع المسلمين، ومواطني سنغافورة، نعرب عن قربنا وتضامننا مع ”أسر ضحايا هذه المأسي التي لامبرر لها“…… لماذا سنغافورة؟

يبدو أن الرجل الذي وضع لبنات نهضة سنغافورة الحديثة ”لي كوان يو“، قد نجح فعلاً وقولاً في غرس بذور التسامح بين البشر هناك، وقد عرف أنه لا يمكن لبلده أن تنطلق إلى الأمام، وبداخلها عشرات من الملل والنحل، الطوائف والمذاهب إنْ لم يَسُد جو من التسامح، يدفع إلى قبول الآخر؛ ما يمتن من أواصر العلاقات بين الناس، ويزيح جانباً المشاحنات الطائفية، ويترك أثيراً واسعاً للتلاقي وبفرحة التلاقي مع الآخر المغاير؛ ما يولد شكلاً من أشكال التناغم الكوني.

خطاب مفتي سنغافورة يفتح أعيننا حول العالم على الحاجة الماسة لاستنهاض قيمة التسامح في زمن الأحادية الفكرية ولا يعني التسامح سوى ”القدرة على تحمل الرأي الآخر، والتعايش مع الآخر في سياق الاختلاف والوئام الإنساني“.

يحزن المرء ان يكون نموذج السلام في سنغافورة يمضي في هذا السياق الإنساني التقدمي، في حين الحال تغني عن السؤال في العالم العربي والشرق الأوسط، رغم التراث الفكري الكبير، بل والإسلامي العميق لطرح قبول الآخر، واختلاف الرأي والمعتقد، وعلى غير المصدق إذن أنْ يقرأ أشعار ”ابن عربي“ المتصوف الإسلامي الأندلسى الشهير، أو يسترجع كلمات الإمام أبو حنيفة النعمان ”كلامنا هنا رأي، فمن عنده خير منه فليأت به“، كما نستحضر قول الأمام الشافعي، ”رأيي صواب يحتمل الخطأ، ورأى غيري خطأ يحتمل الصواب“.

أفضل كلمات نصف بها الإمام محمد فتريس، أنه رجل محبة، وقديماً قال ”أوغسطينوس“ القديس والفيلسوف ”أحبب ثم أفعل ما تشاء فإن الذي يحب لايفعل إلا الخير كل الخير“.

شكراً للإمام فتريس، جعله الله في ميزان حسناتك، وأكثر من أمثالك.

ما ورد في هذا المقال تعبير عن وجهة نظر الكاتب، ولا يعكس رأي موقع إرم نيوز‬‎

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات desk (at) eremnews.com