فصح أوروبا الحزين

فصح أوروبا الحزين

إميل أمين

أغلب الظن أنه لو قدر للأوروبيين صباح عيد الفصح أن يرددوا بيت من الشعر، لاستعاروا بيت المتنبي، شاعر العرب الأشهر… بأي حال عدت يا عيد….؟!

فصح أوروبا هذا العام حزين، ملون بلون الدم الأحمر القاني، الذي غطي مساحات من مطار بروكسيل ومترو أنفاقها، في مشهد مرفوض من أصحاب الشرائع والنواميس الإلهية، وبذات القدر مذموم من واضعي القوانين البشرية.

لم يعد الفصح إذن هذا العام، وكما في كل عام، فرصة للاحتفال بالخمير الفصحي الجديد، فخلف الأبواب الأوربية رعب ساكن من الأسوأ الذي لم يأت بعد، وقد يضرب فجأة دون أي شفقة أو رحمة.

يأت الفصح في الطقوس المسيحية، كنهاية لـ ”درب الآلام“، غير أن فصح الأوربيين هذا العام يواكب طريقا من الآلام الممتدة، والمرشحة للتصاعد من جراء الخلايا القاعدية والداعشية النائمة، تلك التى ملأت الكراهية قلوبها، وبات الآخر بالنسبة إليها هو الجحيم، كما قال فيلسوف فرنسا الكبير سارتر ذات مرة من القرن المنصرم.

يحل الفصح هذا العام وأوربا بين خطرين قاتلين، الأول يعبر عنه طاعون القرن، ذلك الإرهاب الأعمى الذي لا يميز بين كهل وطفل، أو بين رجل وامرأة، فالجميع مدانين مسبقا، والحكم صادر في حقهم بالموت… أنها الأصولية المطلقة وزمنها السيء الذكر، حيث تريد أن تقصي الآخر إلي عالم ما وراء عالمنا، أصوليات مصابة بالنرجسية القاتلة، التى تنعكس تقتيلا في الكون.

فيما الحظر الثاني دالة وتابع للأول، فأوربا الآن حكما ستشهد مولد وتفريغ المزيد من الحركات الفاشية والنازية، كنتاج طبيعي ورد متوقع لصعود الراديكاليات التى تعكر صفو احتفالات الفصح وكل احتفالات في الحال والاستقبال، وعلي غير المصدق لما نقول به أن يتطلع إلي النتائج التى تحققها الأحزاب اليمينية في الانتخابات التشريعية الأوربية، وما جري في ألمانيا مؤخرا خير مثال علي صعود اليمين الكاره للغير، ومن سوء الطالع أن الغيرية هنا لا تصيب إلا المسلمين والعرب، في تكرار لأصولية أوربية أصابت اليهود في أوربا خلال القرون الوسطي.

فصح أوربا حزين، حيث القارة التى شهدت مولد التنوير وصدرته للعالم، تراجع أوراقها وأصوات التعصب، الناجمة عن ركام الكراهية تعلو فوق أصوات التسامح وقبول الآخر… هل من عاصم لأوربا اليوم؟

أغلب الظن أيضا أن تاريخ أوربا التنويري لا يضيع ذلك انه مهما علت أصوات بعض من اصحاب الشر المجاني، فان هناك من العقلاء من يضيعون الفرصة، أو هكذا يحاولون، علي أحادي الرأي ، ومفخخي الأجساد.

هل سمعتم عن أنطوان ليريس؟

أنه الصحافي الفرنسي الشاب الذي قتل إرهابيو فرنسا قبل بضعة أشهر زوجته في مسرح ”باتا كلان“ وحرموا أبنه الصغير ”ملفيل“ ذا السبعة عشر شهرا من أن ينشأ نشأة طبيعية بين أبوية.

كتب ”ليريس“ عقب رحيل زوجته يقول للإرهابيين :“ لن أمنحكم حقدي… لا لن أمنحكم هدية أن أحقد عليكم، لقد أردتم ذلك، ولكن الرد علي الحقد بالغضب يعني الاستسلام للجهل الذي يجعلكم علي أنتم عليه… تريدون أن أخاف أن أراقب من حولي بعين الريبة، وأن أضحي بحريتي من أجل أمني لقد خسرتم، لأن هذا اللاعب، سيواصل لعبته ”.

يتساءل العارفون….. هل ستقع أوربا في الفخ الأمريكي؟ هل ستضحي عملية مطاردة الإرهاب نوع من ملاحقة الذباب بالمطرقة؟

الاختبار الأوربي ماضي قدما، والدعوات في زمن الفصح لا تخطئها العين، والأصوات المطالبة بالمزيد من التنسيق االمني والاستخباراتي تجد الكثير من المؤيدين والداعمين من الراغبين في عسكرة أوربا تحت غطاء محاربة الإرهاب، فهل سيقدر لأوربا أن تتجاوز الفخ المنصوب، وأن لا تقع كعصفور مجاني في المصيدة؟

يمكن للمرء أن يقلق علي أوربا في مواجهة مثل هذه التساؤلات الجوهرية، غير أن قلبه يطمئن بعض الشئ طالما وجد فيها رجالات هم رموز للتسامح والتصالح مع الذات ومع الآخرين من عينة بابا الفاتيكان الحالي، بابا الفقراء والمهشمين، بابا الذين ليس لهم احد يذكرهم.

في خميس العهد أو خميس الأسرار الذي يسبق عشية الفصح بثماني وأربعين ساعة، اختار الرجل ذو الثواب الأبيض أن يحتفل بصلاته في أحد مراكز المهاجرين اللاجئين ، ولا يغيب عن ناظري المراقبين أن جلهم أن لم يكن كلهم من العرب المسلمين، ليس هذا فحسب بل أختار أثني عشر طالب لجوء من بينهم ليغسل أرجلهم في تقليد يذكر بما فعله السيد المسيح مع حوارييه، عندما غسل أرجلهم، طالب أن يقتدوا به، في إشارة لا تخطئها العين للتواضع، ولمعني الخدمة والتضحية الحقيقية.

من يغسل عقل وقلب أوربا في صبيحة الفصح من آية أدران يمكن أن تكون قد علقت بها من جراء مآسي الإرهاب الأسود؟

من حزب الجبهة الوطنية (FN) في فرنسا، وصولا إلي حزب البديل من أجل ألمانيا (AFD) مرورا بالعديد من حركات التطرف اليميني، يمكن لأوربا أن تعرف حزنا أعمق من حزن الفصح، حزن يتصل بفقدان روح أوربا التنويرية، إذا قادها التعصب المقابل، فالمشهد يحتاج إلي حكمة تجمع بين ضفتيها ما قاله يسوع الناصري للجندي الروماني الذي لطمه علي خده ساعة المحاكمة…. إن كتب قد تكلمت بالردئ فأشهد بالردئ وإلا فلماذا تضربني؟“.

ما ورد في هذا المقال تعبير عن وجهة نظر الكاتب، ولا يعكس رأي موقع إرم نيوز‬‎

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات desk (at) eremnews.com

مواد مقترحة