”السفير“ تموت واقفة

”السفير“ تموت واقفة

 تاج الدين عبد الحق

لم يعد للجدل حول مصير الصحافة الورقية مكان، فقد حسمت القرارات المتتابعة بإغلاق صحف عربية وأجنبية عريقة هذا الجدل، ليصبح السؤال كم علينا أن ننتظر حتى تصبح الغلبة للديجيتال في سوق الإعلام؟.

قبل عشر سنوات، راهن البعض بأن عام 2018 سيكون فاصلا بين زمنين في عالم الصحافة، حيث توقع المتحمّسون أن ترجح الكفّة في ذلك العام، لصالح الصحافة الرقمية بعد أن تكون أعداد المواقع الالكترونية قد تزايدت وتكاثرت، وبعد أن تكون صحف ورقية كثيرة قد اختفت وأُغلقت.

كان ذلك التوقع مغرقًا في التشاؤم، وقوبل بكثير من الاستهجان والإنكار، وبدا للبعض رجمَا بالغيب، وقراءة متعجّلة لحالة إعلامية وتقنية لا تزال قيد التشكّل.

في ذلك العام، كانت الأرقام غير ما هي عليها الآن. كانت أرقام توزيع الصحف الورقية، لا تزال في ازدياد، وكانت حصصها من الإعلانات لا تتوقف عن التضخم، بل إن صحفا ومجلات ورقية جديدة، كانت لا تكف عن الصدور، مبشرة بأن عصر الورق باق، وإن كره الآخرون، وأن صراعه مع الديجيتال طويل، وإن استعجله البعض.

لم تكن الأجهزة اللوحية والهواتف الذكية قد انتشرت إلى هذا الحد، كان البعض ممن تربّى على الصحافة الورقية لا يزال يرى في السهولة، التي يتصفح بها القارئ الجريدة أو المجلة، ميزة غير متاحة للصحافة الإلكترونية التي لم تكن قراءتها وتصفحها ممكنة إلا بالجلوس أمام الكمبيوتر.

وكان أقصى هواجس محبي الصحافة الورقية والمدافعين عنها، أن تصبح المواقع الالكترونية منافسا لها، لا أن يكون أحدهما سببا لإلغاء الآخر، اعتقدوا أن ثمة مرحلة طويلة من التعايش بين النمطين قبل أن نصل لمرحلة الاختيار الصعب.

لكن يبدو أن الحسم جاء بأسرع مما اشتهت السفن، بعد أن أصبحت أنباء إغلاق صحف واحتضار أخرى خبرا روتينيا لا يلفت الانتباه بقدر ما يثير الإشفاق والحسرة على زمن يتوارى أمام أعيننا، وذكريات تطوى دون أن نقوى على الاحتفاظ بشيء من معالمها…

ما يحدث للصحافة الورقية، ليس غريبا على عالم الإعلام والثقافة، فالصراع بين العالم الورقي بكل ما فيه وما له، وبين العالم الرقمي بكل ما يحمله ويبشر به، قصة متجددة، فهو الصراع بين الصحيفة والكتاب حينا، وبين المسرح والسينما حينا آخر، وبين السينما والتلفزيون في وقت لاحق.

هي حروب تتوالد باستمرار وبوتائر متسارعة، رغم أنها من رحم واحد، ومع أنها تتقاطع موضوعيًا وزمنيًا بدرجة تثير كثيرًا من الالتباس وتبعث على الحيرة.

في هذه الحرب؛ المفتوحة بقسوة،  بين أنماط مختلفة من فنون الثقافة والإعلام، تغرب شمس تجارب امتد نورها زمنًا طويلاً، وتتوارى أسماء وأعلام شكلت جزءًا من هويتنا الإعلامية وملامحنا الثقافية.

جريدة السفير اللبنانية واحدة من تلك التجارب التي كان تصفحها طقسًا يوميًا لمئات الآلاف من القراء العرب، تتوارى بعد عقود سمان من النجاح، وسنوات عجاف من المعاناة.

عندما قررت السفير أن تموت واقفة، كانت عشرات التجارب عبر العالم قد سبقتها، فيما تنتظر آلاف أخرى ذات المصير.

كان خيار التحول من جريدة ورقية يومية، إلى موقع إلكتروني أحد الخيارات الممكنة تقنيًا، والمقبولة اقتصاديًا، لكنه بالتأكيد لم يكن حلاً لإزمة صراع الأجيال المزمنة.

فالسفير ليست ورقًا وحبرًا وآلات طباعة وكلفة مادية، السفير قارئ أولاً، وقارئ قبل كل شيء، ومن اعتاد أن يقرأ السفير الورقية، متمهلاً، ليس هو القارئ المتعجل، الذي يتنقل بين المواقع الالكترونية، فثمة غربة زمانية وحواجز تقنية لا يمكن تجاوزها بسهولة بين هذين النمطين من القراءة، ولذلك كان هذا الخيار الصعب، والممكن الوحيد في عالم تحولت فيه الصحافة إلى عبث تغذية تقنية سهلة، توفر مهارة لسرقة المعلومة لا ابتكارها.

ما ورد في هذا المقال تعبير عن وجهة نظر الكاتب، ولا يعكس رأي موقع إرم نيوز‬‎

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات desk (at) eremnews.com