تشويه الأشعري وشيطنة ابن العاص

تشويه الأشعري وشيطنة ابن العاص

محمد سناجلة

تكاد تكون ”الشيطنة“ وتشويه الآخر هي صنعة إعلامية عربية بامتياز، وبالذات في عصر الانحطاط الإعلامي الذي نشاهده في كل مكان في زمن الخريف العربي الذي بتنا نعيش فيه، ونحلم بالخروج من دهاليزه المعتمة دون جدوى.

ومع انتشار الفضائيات التي لا تخشى في الباطل لومة لائم، والمواقع الإخبارية التي تتوالد كالجراد على الإنترنت ووسائل التواصل الاجتماعي المختلفة، صارت الشيطنة علما له قواعده وأصوله ويدرس في مؤسسات إعلامية كبرى وله أساتذته وعباقرته وتلاميذه.. صارت الشيطنة فنا، وأصبح الأبيض أسود، والأسود تحول إلى أبيض!

ولعلم الشيطنة جذور ممتدة في التاريخ العربي الإسلامي، ابتداء من حادثة التحكيم الشهيرة بين علي ومعاوية بعد معركة صفين، ونما وترعرع مع مؤرخي الخلفاء والسلاطين من الطبري وحتى ابن كثير، وصولا إلى زمن مرتضى منصور وعمرو أديب وباسم يوسف رضي الله عنهم وأرضاهم وأسكنهم فسيح جنانه وأيدهم بنصره وسلطانه.

وعودة إلى حادثة التحكيم التي تعتبر أشهر عملية تزوير وشيطنة ”إعلامية“ شهدها التاريخ العربي الإسلامي، وكانت مقدمة لسلسلة كبيرة ولا متناهية من عمليات التزوير والتشويه والشيطنة التي طالت كل شيء بدءا من التاريخ والعقيدة والحديث والشرع وعلوم الفقه والحديث وصولا إلى من نحن فيه اليوم من ظلام دامس وأسر للإسلام من قبل داعش والقاعدة والإخوان ومن لف لفيفهم من شذاذ الآفاق والطامحين للسلطة والقوة باستخدام الدين وجهل الرعاع!

يقول مولانا الطبري في تاريخه ويشترك معه في القول شيوخنا ابن كثير وابن الأثير والذهبي وغيرهم كل في تاريخه أيضا: ”فتقدم أبو موسى فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: أيها الناس إنا قد نظرنا في أمر هذه الأمة فلم نر أصلح لأمرها ولا ألم لشعثها من أمر قد أجمع عليه رأيي ورأي عمرو وهو أن نخلع علياً ومعاوية، وتستقبل هذه الأمة هذا الأمر؛ فيولوا منهم من أحبوا عليهم، وأني قد خلعت علياً ومعاوية فاستقبلوا أمركم وولوا عليكم من رآيتموه لهذا الأمر أهلاً ثم تنحى وأقبل عمرو فقام مقامه فحمد الله وأثنى عليه وقال: إن هذا قال ما قد سمعتم وخلع صاحبه وأنا أخلع صاحبه كما خلعه وأثبت صاحبي معاوية فإنه ولي عثمان والطالب بدمه وأحق الناس بمقامه ، فتنابزا وتشاتما“.

القصة طبعا تظهر الصحابي الجليل أبو موسى الأشعري بمظهر المغفل الأبله الذي تسهل خديعته، وتظهر الصحابي عمرو ابن العاص بمظهر الداهية الماكر والمخادع.

وفي الحقيقة، صرنا كلما نذكر أبو موسى لا نذكر من تاريخه كله إلا هذه الحادثة، ولا نذكر من صفاته إلا ”المغفل“ الذي خدعه ابن العاص ”الماكر المخادع“… وهذا كله كذب ودجل وتشويه للحقيقة وشيطنة إعلامية لها أول وليس لها آخر.

ننسى مثلا أن أبو موسى الأشعري قد حظي بثقة الرسول وأبو بكر وعمر وعثمان وعلي نفسه حيث ولاه كل واحد منهم بعض أعمالهم، بل إن عمر بن الخطاب قد أوصى ”لا يقر لي عامل أكثر من سنة وأقروا الأشعري أربع سنين“. فهل يثق الرسول والخلفاء الراشدون بمغفل!

كذلك الحال مع الصحابي الجليل عمرو بن العاص، الذي لم تذكر كتب التاريخ له ذكرا في الدهاء والمكر قبل حادثة التحكيم، بل إن جعفر بن أبي طالب قد هزمه هزيمة نكراء أمام النجاشي كما تذكر كتب التاريخ نفسها، وكان الرجل شيخا كبيرا طاعنا في السن وقتها، ليست الدنيا هدفا له كما تم تصويره وتشويهه، ولكن كل هدفه كان حقن دماء العرب الذين كادوا أن يتفانوا في صفين.

بل إن المسعودي يروي أنهما ”لم يحصل منهما خطبة وإنما كتبا صحيفة فيها تفاصيل ما اتفقا عليه وتنحية علي عن الخلافة، وأن المسلمين يولون عليهم من أحبوا“، وطبعا من نافل القول أن معاوية لم يكن مذكورا حتى كمرشح للخلافة فكيف بتثبيته فيها!

كل هذا التشويه كان له هدف واحد، وهو الانتصار للحزب الهاشمي بقيادة علي بن أبي طالب وبني العباس من بعده ضد الحزب الأموي، والهدف الأكبر كان تبرأة علي من دم عثمان، الذي يكاد أن يكون هناك إجماع تاريخي بين الصحابة على إدانته بالتآمر لقتل عثمان أو الشك الكبير فيه على أقل تقدير(الزبير، طلحة، سعد، محمد بن مسلمة، أسامة بن زيد، النعمان بن بشير، عائشة، حفصة، أم حبيبة، أم سلمة، ابن عمر، أبو هريرة، أبو أيوب الأنصاري، انس بن مالك والقائمة تطول فمنهم من قاتل ضده ومنهم من اعتزل، ولم يناصروه جميعا).

وقد قضت الحكومة فعلا بهذه الإدانة، وخلع علي من الخلافة، وتسليم القتلة للقضاء، واختيار خليفة جديد للمسلمين، ورضي أهل الشام والعراق وكافة المسلمين بالحكم، ورفضه رفضا قاطعا علي بن أبي طالب وشيعته، ولهذا مثلا لم ينفر أهل العراق بعد التحكيم مع علي حين كان يدعوهم لقتال إخوانهم من أهل الشام، ولم ينصروه وخذلوه المرة تلو الأخرى ولم ينته بهم الأمر حتى قتلوه وسلموا الأمر لمعاوية.

لكن دعونا نتذكر أن تدوين التاريخ قد بدأ فعلا في القرن الثالث الهجري أي بعد الهزيمة الساحقة للحزب الأموي، والانتصار المدوي للهاشميين بقيادة بني العباس. والتاريخ يكتبه دائما المنتصرون على هواهم وكيفما يريدون.

ما ورد في هذا المقال تعبير عن وجهة نظر الكاتب، ولا يعكس رأي موقع إرم نيوز‬‎

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات desk (at) eremnews.com

مواد مقترحة