ليس الطفل“رجلا صغيرًا“

ليس الطفل“رجلا صغيرًا“

مدني قصري

تعلمتُ من خلال دراساتي النفسية العميقة التي اهتممتُ وشُغفت بها كثيرًا منذ التحاقي بالتعليم الابتدائي، أن الطفل، بعد اكتشاف اللاشعور الفردي على يد رائد التحليل النفسي سيغموند فرويد، واكتشاف اللاشعور الجمعي على يد كارل غوستاف يونج، ليس صفحةً بيضاء نكتبُ عليها نحن ما نريد. لأن الطفل، ببساطة، ليس ”رجلا صغيرا“.

يقول علماء النفس، إن هناك حقيقة بديهية، وهي أنّ الطفل يتلقّى تربيتَه على أيدي آخرين: الأبوان والمدرسة، والشارع. لكنْ الأكثر بداهةً أن المُربّين ليسوا هذا الطفل على الإطلاق. فضلا عن أن الكبار هم بالمثل ضحايا للتربية التي تلقّوها وورِثوها عن آبائهم. وبالتالي فإن تربية الكبار، مهما كانت جيّدة وعن حسن نية، فهي لا تنطبق على طبيعة الطفل بتاتًا.

التربيةُ يمنحُها الكبار، والحالُ أنّ الكبار متميّزون عن الطفل كليًا… مهنيًا، واجتماعيا وأخلاقيا. فهم، كما يصفهم علماء النفس ”متفرّدون“ في مواجهة طفلٍ غير متميّز، إحساسُه الأساسي أنه ينتمي إلى عالم لامحدود، لأن الطفل ”مشبوكٌ“ مع الكون. فهو مرتبط بكل شيء.

كثيرًا ما يسمع الطفل من أبويه، أو من مُدرّسيه في الصف، عبارت، مثل ”أنتَ مختلفٌ عن الآخرين، أنت الأجمل، أنت الأذكى، أنت الأهم. عليك أن تكون مختلفًا عن الآخرين“.

هناك إذن، انفصالٌ عميقٌ يَحدُث في عالم غيرٍ منفصلٍ عن الكون أصلا. وليس هذا الانفصال سوى وهْمٍ يحرص الكبارُ على رعايته باستمرار، عن غير وعيٍ طبعًا.

وعلى هذا النحو، بتصرّفنا هذا، نفْصِل الطفلَ تلقائيًا عن الآخرين، وعن العالم الذي يسكنه. وتلك، في رأيي جريمة.. جريمة قتْل الطفولة فيه.

وحتى يشعرَ بالأمان يلعبُ الطفلُ لعبةَ هذا التمييز المفروض عليه. وتتشوّه بذلك شخصيته. وتستمرّ اللعبة حتى بعد أن يكبر ويصبح أبًا، أو أُمًّا أو مُعَلّمًا، أو حتى فيلسوفًا أو طبيبًا، أو مسؤولا كبيرًا في الدولة.

هكذا اعتدنا التربية. أي أنّ الطفل يستند منذ عامه الأول، أو حتى منذ شهور عمره الأولى، إلى دعائم يشدُّ بعضُها بعضًَا، حفاظًا عى التوازن الذي تفرضه التربية بوجه عام. ويظل متشبّثا بهذه الدعائم المفروضة عليه، فيتقمّصها تقمصّا شديدًا من حيث لا يدري، وكأنها طبيعتُه الحقيقية. وهكذا -إذن- تختفي طبيعتُه الحقيقية في الظل، لتحلّ محلها ”الأنا“ الاصطناعية، ومن ثم هيمنة الإيجو المضلل.

والحال أن طبيعة الطفل الحقيقية تختفي خلف الوعي، ولكنها تظل مشحونة بطاقتها الأصلية، إذ تظل تنشط في داخله، ومن هنا ينشأ الصراع بين شخصيتين متناقضتين. إلا أن الشخصية الحقيقية المكبوتة لا تظهر بوضوحها الأصلي، ولكنها تسعى لكي تطفو على السطح من خلال أعراض مختلفة، كالشعور بالنقص، أو الشعور بالتفوق والعظمة، أو الغيرة، أو الحسد، أو كراهية الآخر، أو العدوانية، وغيرها من الأعراض المَرضية، بل وحتى من خلال الكثير من الأمراض التي يعدّها الأطباء أمراضا جسدية. والحال أن هذه الأعراض التي يطول الحديث فيها في هذا المقام، يسعى الشخص إلى كبتِها ما وسعه الكبت، وإلى مقاومتها لعدم وعيه بها. والأخطر من كل ذلك أن هذه المشاعر المكبوتة كثيرا ما يتم إسقاطُها على الآخرين، ومن هنا فهي تشوه علاقة الشخص بغيره، وعلينا أن نتصور بعد ذلك عواقبَ هذه الاسقاطات النفسية على العلاقات بين الناس.

قصدتُ بهذا أننا كلنا ”أطفال“ فصلتْنا التربيةُ عن طبيعتنا الجوهرية. ولذا تستمر اللعبة بعد أن نُصبح كبارا.

فالتربية الحقيقية هي التي تساعد الطفل على الكشف عن طاقاته الحقيقية، ومن ثم على تنميتها وتوجيهها دون طمسها، حتى نصنع من الطفل شخصا سويًا، بلا عقد نفسية، متناغمًا مع نفسه، ومع محيطه، ومع الكون.

ولو فعلنا لأدهشنا هذا الطفل بما يحمله من إبداعات وجماليات وأسرار. لأن الطفل، ليس صفحة بيضاء نكتفي نحن بأن نكتبَ عليها ما نريد.

وتلك هي مهمة ”التنمية الشخصية“ التي تحرص مدارس كثيرة في الغرب على نشرها، فيما نحن ساهرون على ”تنمية الكبت“ الذي تُروّج له معتقدات يروّج لها أشخاصٌ وجماعات مكبوتة أصلا.

ما ورد في هذا المقال تعبير عن وجهة نظر الكاتب، ولا يعكس رأي موقع إرم نيوز‬‎

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات desk (at) eremnews.com