قصيدة غزل مرفوضة!

قصيدة غزل مرفوضة!

غادة خليل

تحتل أرض الكنانة موقعا خاصا في الوجدان الانساني مدعوما بتراث غير مسبوق من المديح الذي تغدقه عليها الاديان و تتوجه بها الرسالات. هذه حقيقة لا مراء فيها، غير أن الامر احيانا قد يتطور إلى ما لا يحمد عقباه حين تكون وصية المديح موضع شك ومحل استنكار من قبل الباحثين والمؤرخين! و من أشهر الأمثلة على ذلك الوصية الأشهر المنسوبة للحجاج بن يوسف الثقفي و الموجهة إلى أحد ولاته حين تم اختياره حاكما لمصر.

جاء في الوصية أنه قال لطارق بن عمرو: ”لو ولاّك أمير المؤمنين أمر مصر فعليك بالعدل، فهم قتلة الظلمة وهادمو الأمم، وما أتى عليهم قادم بخير إلا التقموه كما تلتقم الأم رضيعها، وما أتى عليهم قادمٌ بشرٍ إلا أكلوه كما تأكل النار أجف الحطب، وهم أهل قوة وصبر وجلدة وحمل ولا يغرنك صبرهم، ولا تستضعف قوتهم، فهم إن قاموا لنصرة رجل ما تركوه إلا والتاج على رأسه، وإن قاموا على رجل ما تركوه إلا وقد قطعوا رأسه، فاتق غضبهم ولا تشعل نارًا لا يطفئها إلا خالقهم، وانتصر بهم فهم خير أجناد الأرض، واتق فيهم ثلاثـًا:

– نساءهم، فلا تقربهن بسوء وإلا أكلنك كما تأكل الأسود فرائسها.

– أرضهم، وإلا حاربتك صخور جبالهم.

– دينهم، وإلا أحرقوا عليك دنياك.

– إنهم صخرة في جبل كبرياء الله، تتحطم عليها أحلام أعدائهم، وأعداء الله“.

المشككون في صحة نسب الوصية إلى الحجاج يراهنون على أن ”الأسلوب ركيك، سيىء الديباجة، لا يخفى على أحدٍ سوء صياغته. وهو ليس من كلام الحجاج ولا من طبائعه، فالرجل أشد بأسـًا وأكثر فصاحة من ذلك بكثير“.

و هناك من يرى أن هذه الصياغة تعد من أساليب الكتابة الحديثة لا سيما قوله ”تتحطم عليها أحلام أعدائهم وأعداء الله“، و“التقموه كما تلتقم الأم رضيعها“، مؤكدين أن مصر لا تحتاج لمثل هذه الأساطير الزائفة.

و بعيدا عن هذا الجدل ما بين صحة النسب التاريخي من عدمه ، فالمؤكد هنا أكثر من حقيقة، منها أن المصريين أثبتوا على مدار التاريخ انهم بالفعل يستحقون هذه الأوصاف عبر مسيرة من الحضارة والنضال ضد الغزاة الذين فشلوا في طمس الهوية المصرية، كما أن البعض من المصريين انفسهم يستشعر الحرج في أن يكون قائدا معروفا بدمويته مثل الحجاج هو صاحب تلك القصيدة الغزلية فيهم !

وتبقى الحقيقة أن حقائق الشعوب ترسمها ملامح رحلتهم عبر الزمان والمكان، بعيدا عن معلقات الإشادة الصحيح منها والكاذب.

ما ورد في هذا المقال تعبير عن وجهة نظر الكاتب، ولا يعكس رأي موقع إرم نيوز‬‎

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات desk (at) eremnews.com