صاحب الجلالة ..الحب!

صاحب الجلالة ..الحب!

غادة خليل

إذا كان الصراع على الحكم يمثل واحدا من أشهر ملامح تاريخ الأمم والشعوب، فإن الصراع على قلب المرأة والفوز بحبها لا يقل أهمية عند قلة قليلة من الرجال الذي فضلوا الحب على العرش والسعادة الزوجية على شئون السياسة!

والمدهش أننا نحن العرب كثيرا ما نعدد نماذج من التاريخ الغربي تؤكد هذه الفرضية، ونتأملها بالإعجاب والتنهدات، وننسى أن لدينا في تاريخنا حالة مماثلة لأمير شاب رفض العرش رغبة في النأي بحياته الزوجية السعيدة عن عواصف ومكائد القصر!

جرت أحداث هذه الواقعة في مصر، وتحديدا في 9 أكتوبر 1917 حينما توفي السلطان حسين كامل الذي كان كارثة وطنية كبرى اهتزت لها البلاد.

كان للسلطان حسين ابنٌ واحد يعزه كل الإعزاز ويحبُّه، حتى أن السلطان حسين إذا لم يقسم بالقرآن فقد كان يقسم إما بحياة أبيه إسماعيل باشا أو بحياة ابنه كمال الدين حسين، وقد أراد أن يخلفه ابنه على العرش واتفق مع الإنجليز – و كانوا يمثلون سلطة الاحتلال انذاك –على ذلك. ففي 8 أكتوبر، أي قبل يوم واحد من وفاة السلطان حسين، جاء المندوب السامي البريطاني ريجنالد ونغت يسأله سؤالاً محددًا: من ترشحه ليخلفك؟

قال: ابني الوحيد الأمير كمال الدين حسين.

ما لم يكن معروفـًا في ذلك الوقت أن هذا الأمير لم يحلم بهذا المنصب، وكان لقب السلطان لا يشغله من بعيدٍ أو قريب، حتى أنه كان يقول لمن حوله وقتها: ”إنني متزوج من أحسن زوجة في الدنيا، فماذا أريد من الدنيا أكثر من ذلك؟“. كانت زوجته هي الأميرة نعمت مختار، شقيقة الخديوي المخلوع عباس حلمي الثاني.

وكانت المفاجأة المدوية أن اعتذر كمال الدين حسين عن عدم قبول العرش، بل وسجل ذلك في وثيقة رسمية تعتبر إحدى عجائب تاريخ مصر الحديث فما سمعنا في مصر عن إنسان يرفض عرشـًا، وهذه الوثيقة لم تكن سوى رسالة أرسلها الأمير كمال لوالده في 8 أكتوبر 1917، أي قبل يوم واحد من وفاة السلطان حسين، ومما جاء فيها:

”يا صاحب العظمة السلطانية، ذكرتموني عظمتكم بما اتفقتم عليه مع الحكومة البريطانية الحامية وقت ارتقاء عظمتكم عرش السلطنة المصرية من تأجيل وضع نظام وراثة العرش السلطاني إلى ما بعد بحثه. وقد تفضلتم عظمتكم فأعربت لي عن رغبتكم في أن تكون وراثة عرش السلطنة المصرية منحصرة في الأكبر من الأبناء ثم من بعده لأكبر أبنائه وهكذا على هذا الترتيب.

وإني لأذكر عظمتكم هذه المنة الكبرى لما في هذه الرغبة من التشريف لي. على أني مع إخلاصي التام لشخصكم الكريم وحكمكم الجليل، مقتنعٌ كل الاقتناع بأن بقائي على حالتي الآن يمكنني من خدمة بلادي بأكثر مما يمكن أن أخدمها به في حالة أخرى، لذلك أرجو من حسن تعاطفكم أن تأذنوا لي أن أتنازل عن كل حق أو صفة أو دعوة كان من الممكن لي أن أتمسك به في إرث عرش السلطنة المصرية بصفتي ابنكم الوحيد، وأني لا أزال لعظمتكم السلطانية النجل المخلص والعبد الكثير الاحترام“.

هكذا ذهب السكرتير الشرفي بدار المندوب السامي البريطاني، برونالد ستورز، إلى السلطان الذي كان في صراع مع الموت، ليسأله عن البديل، فقال: أرشح أخي الأصغر الأمير أحمد فؤاد.

في اليوم التالي، مات السلطان حسين كامل. وعندما نشرت الصحف خطاب الأمير كمال الدين حسين، كان لهذا الخطاب – كما يقول سعد زغلول- أجمل وقع عند الناس، فقد أكبروا شأنه وقالوا: ”لو لم يترك السلطان حسين أثرًا في البلاد سوى هذا الولد الصالح لكفاه فخرًا ومجدًا“

ما ورد في هذا المقال تعبير عن وجهة نظر الكاتب، ولا يعكس رأي موقع إرم نيوز‬‎

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات desk (at) eremnews.com

مواد مقترحة