أبُ الإرهابيّ

أبُ الإرهابيّ

وئام غداس

لم أكن محتاجة أن أشاهد والد أحد الإرهابيين في التلفزيون وأسمع شهقات القهر وهي تبتر صوته وأرى دموعه وأعاين ارتعاش يديه وارتجاف جسده ونظرات عينيه، لأعرف أن أغلب الآباء والأمهات والعائلات أبرياء من صنيع أولادهم الذين لم يعودوا أولادهم يوم تبناهم الطاعون الأسود الذي اسمه الإرهاب وقبلوا صاغرين أن يكونوا أبنائه المطيعين، مطيعون حدّ العمى.

هذا الرجل الستيني حسب ما قدرت كان وما يزال حديث الرأي العام وشغلهم الشاغل في تونس منذ أيام، أي منذ بداية الأحداث الإرهابية الأخيرة التي طالت مدينة بنقردان في أقصى الجنوب التونسي على الحدود مع الأراضي الليبية، عندما اقتحمت عناصر داعش المدينة وحاصرتها معلنة عن قرارها أن تتخذها إمارة جديدة، الغريب في الأمر أن العناصر الإرهابية دخلت طالبة العون من سكان بنقردان ليساعدوهم في تنفيذ ما جاءوا لتنفيذه، معتمدين في ذلك على اعتقاد حاول أن يروجه كثر مما طمحوا لبثّ الفتنة بين صفوف المجتمع الواحد زاعمين أن جنوب تونس مرتع للفكر السلفي والإسلامي المتطرف وأنه من أجل ذلك سيكون حاضنة شعبية كبيرة لداعش في مستقبل الأيام، ما حصل في بنقردان جاء ليبيّن أن الشعب التونسي فكر واحد، قلب واحد ويد واحدة، أصيب الداعشيون بالضربة القاضية ذلك أنهم وجدوا سُدّاً بشريا منيعاً اصطدموا به، عجزوا عن المرور وعادوا خائبين، مات من مات منهم وألقي القبض على البعض الآخر، هذا السدّ لم يتمثل فقط في الأمن والجيش وإنما في مواطنين عاديين كانوا جميعا على استعداد أن يدفعوا أعمارهم ولا يمس وطنهم مكروه أو يحتله غزاة الرايات السوداء.

هذا المواطن البسيط، الرجل الستينيّ ليس سوى واحداً من أولاد تونس الأبرار الذين يفدونها بأرواحهم ومالهم وأولادهم، واحد ممن تربوا على عقيدة ”نموت نموت ويحيا الوطن“، لكن ماذا لو وجد نفسه في مأزق لن يتمنى أحد أن يكون بمكانه فيه، هذا الرجل هو الحاجّ ”علي“ الذي خانته فلذة كبده، خانت عقائده ووطنيته وأحلامه، وتنكرت لتربيته وتعبه، انه ابنه الذي قرر ببساطة أن يصبح إرهابياً.

يتحدث الحاج علي بأسى وألم وغصة كبيرة عن عدم فهمه للسبب الذي قد يدفع ابنه بالذات للجنوح إلى طريق الإرهاب، يقول أنه متعلم وخريج جامعي، وأنه عندما فشل في إيجاد عمل حكومي تكفل هو بأن فتح له مشروعا تجاريا حرا كان يدرّ عليه مالا كثيرا وأنه مستقر ومتزوج وأب لطفلة في عامها الأول، فما الذي كان ينقصه ولم يستطع هو والده أن يعلم به؟ تلك كانت حيرة هذا الأب.

سأقول لكم الآن لماذا هو حديث الناس وشغلهم الشاغل هذه الأيام، هذا الأب رفض تسلّم جثة ابنه الذي مات في أحداث بنقردان الإرهابية الأخيرة ورفض دفنه وقال للسلط بالحرف الواحد ”ليس ابني ولا أعرفه“، بكى كل التونسيون البارحة لبكائه وهو يقول بقهر أنه تمنى لو أن ابنه مات هناك في ليبيا في الغارة الأمريكية الأخيرة على مدينة صبراطة مقرّ الدواعش ولا يموت في تونس بعد أن قتل اخوته وأبناء وطنه وجلدته، أنه ليس حزينا لأنه مات لأنه يستحق ذلك المصير عندما قرر أن يتحول إلى مجرم ولكنه خجل من كل الشعب التونسي وأنه مصرّ أن لا يتسلم جثته فقد تبرّأ منه.

أب أميّ فهم معنى المواطنة أكثر من ابنه المتعلم، تلك هي مفارقات الزمن وذلك هو الفرق بين عصر مستنير وعصر مظلم، لا ذنب للآباء والأمهات، هم يربّون والدولة التي تسمح بمرور الأطروحات المتطرفة والتكفيرية تُربّي أيضا، أخيرا أقول للعمّ ”علي “ أن الشعب التونسي قبل اعتذاره بل ومتألم لألمه ويفدي دموعه، وأن الشعب التونسي من الوعي بأن يفهم أن الذنب ليس ذنبه، بل ويعرف تماما من المذنب الحقيقي.

ما ورد في هذا المقال تعبير عن وجهة نظر الكاتب، ولا يعكس رأي موقع إرم نيوز‬‎

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات desk (at) eremnews.com