آفاق الهدنة وجذور الفدرلة في سوريا

آفاق الهدنة وجذور الفدرلة في سوريا

موفق محادين

من المؤكد ان الهدنة كما مفردات الصراع الأخرى في أي ساحة وبلد، لا تقرها النوايا، حسنة أو سيئة  ولا استنزاف المقاتلين هنا وهناك، ولا المواثيق الدولية والالتزام بها.

فهذه المفردات السياسية جميعها، ومنها الهدنة، محصلة ميزان القوى واستحقاقاتها على رقعة الشطرنج وما يتعلق بها من أهداف مرحلية وإستراتيجية.

ويشار هنا -أيضا- إلى أنه مهما امتلكت قوى اللاعبين الكبار من نفوذ وتأثير، إلا أن الأطراف الأخرى قادرة دوما على اختلاق ذئب ما ينتظر الخراف في أعالي النبع بذريعة الماء الذي لم يعد رقراقا .

ولذلك، فلا اقتراب البيات الشتوي الاميركي الشرق أوسطي بسبب الانتخابات الاميركية، ولا أية تفاهمات أميركية روسية، حول سوريا أو غيرها،  يكفي وحده لانتظار هدنة طويلة في ضوء المعطيات الآتية : –

1- إن القوى المستثناة من الهدنة،  هي القوى الأساسية على الأرض فضلا عن الدور المسنود لها .

2- إن هدنة طويلة بقدر ما توفر لقوى مثل تركيا،  السعودية وقطر الفرصة لمراجعة التطورات الاخيرة وعلى رأسها التقدم الميداني للجيش السوري بدعم موسكو وحزب الله، بقدر ما تسمح لدمشق بالتقاط انفاسها بعد كل هذه السنوات وتحويل ( استراحة المحاربين من القوى السورية المعارضة ) الى استراحة أطول فأطول .

وليس من الحكمة أبدا لأحد أن يقلل مما شهدته مناطق واسعة من ريف دمشق ودرعا وحلب وعودة مئات المسلحين إلى حياتهم العادية .

وبالمحصلة، اذا كانت الهدنة واستراحة المحاربين، مسألة مطلوبة في كل ساحات الصراع العربية وترجمتها في مصالحات على امتداد الوطن العربي، فهي هدنة غير مرحب بها من الذين ينتظرون رقعة شطرنج أخرى دون آفاق في الواقع . ولذلك من المؤسف والمحزن القول: ان تلقيم المدافع لن يتوقف .

أما عما يقال عن تقسيم سوريا وإعادة تركيبها كدولة فدرالية، فهو ليس نتيجة لما جرى ويجري، بل هو الهدف الاساسي أصلا، وهو سابق بسنوات بل بعقود لما يعرف بالربيع العربي الذي جاء كترجمة له .

وبالاضافة لما كشفه الصحفي الهندي، كارنجيا في كتابه ( خنجر اسرائيل ) ثم الصحفي ( الاسرائيلي )

اوديد اونيون، فان تفكيك البلدان العربية وتحويلها الى فدراليات وكونفدراليات طوائف هشة كان في صميم المشروع الذي اطلقته ( رايس ) باسم ( الفوضى الخلاقة ) بعد الانهيار السوفييتي وتحطيم الدولة المركزية في العراق .

وقد جرى تكليف الخبير الاميركي اليهودي ( نوح فيلدمان ) باعداد صياغات مقترحة لكل بلدان المنطقة، بدءا من العراق وليبيا ومصر، مرورا بسوريا وانتهاء بالسعودية واليمن .

وتنطلق هذه الصياغات من استراتيجية واحدة، وهي تفكيك الدول المستهدفة باسم ( تصفية الشمولية ) واعادة تركيبها كفدراليات أو كونفدراليات مذهبية وجهوية حسب كل حالة .

ويلاحظ فيما يخص العراق وسوريا ان هذه الاستراتيجية تتحرك أو يراد لها أن تتحرك على سكتين :

الأولى، السكة المذهبية ( شيعة وسنة ) والثانية سكة ( العرب والأكراد ) .

واذا كانت الاولى اقرب الى الاحتقانات المذهبية منها الى الترجمة السياسية، فأن الاكراد اليوم قوة على الأرض بكل معنى الكلمة، من حكومة اربيل الى الشريط الكردي لأكراد سوريا على الحدود التركية .

وفيما تحظى حكومة اربيل بدعم امريكي اسرائيلي وعلاقات مع انقرة، يحظى الشريط الكردي السوري بدعم أميركي وتفهم روسي وتعاطف أوروبي .

بيد ان كل ذلك لا يعني ان شروط الفدراليه السوريه قاب قوسين أو ادنى بالنظر الى المعطيات التاليه :

1- التحولات الميدانية الاخيرة في سوريا .

2- تناقضات المشهد الكردي نفسه بين حليف كردي لانقرة ( ممثلا يالبرزاني ) وبين عدو كردي لها ( أكراد سوريا بالاضافه لأكراد تركيا نفسها ) ما يفقد الشريط الدعم اللوجستي شرقا وشمالا .

3- التجاذبات الدولية والاقليمية، وخاصة موسكو وواشنطن .

4- التجربة والخلفية التاريخية، فبعد أن اعتقد الاكراد انهم قاب قوسين أو أدنى من تقرير المصير في اتفاقيه سيفر، تمكن أتاتورك وبدعم روسي من قلب الطاولة على هذه الاتفاقية واستبدالها باتفاقية لوزان التي اعادت القضية الكردية الى المربع الأول .

ومن التجارب الأخرى اتفاقية الجزائر بين صدام حسين وشاه ايران حول شط العرب مقابل وقف الدعم الإراني لمصطفى البرازاني .

ما ورد في هذا المقال تعبير عن وجهة نظر الكاتب، ولا يعكس رأي موقع إرم نيوز‬‎

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات desk (at) eremnews.com